الاثنين، 22 ديسمبر 2025

كتاب الدكتور يحيى الفيفي عن العلامة كريم راجح


 

كتاب جميل أتحفني به مُؤلفه فضيلة الدكتور الأديب المقرئ سيدي يحيى الفيفي، تَرجم فيه للعلامة المتفنن، شيخ قراء دمشق، كُرَيّم بن سعيد راجِح السوري حفظه الله، أعجبني وسررتُ به، فالمترجَم من أهل القرآن، وله مواقف مشرفة البارحة واليوم، وهو كما يقول المؤلف: ( متعدد المواهب، متشعب الفنون، على طريقة الأئمة المتقدمين، فهو المفسر المتدبر لكلام الله، وهو الفقيه المفتي العارف بدقائق الفقه وأحوال الناس، وهو اللغوي.. ).

وليس هذا بأول مؤلَّف يُهديه لي الشيخ الدكتور يحيى، بل سبق وأهداني سنة 2017 كتابه "ومضات من أرض الكنانة"، فقرأته واستفدت منه.

طُبع هذا الكتاب سنة 1443هـ/2022م، وعدد صفحاته: 367، قَسّمه إلى قسمين:

- القسم الأول خَصصه لسيرة الشيخ كُريّم، وعَرّف فيه بشيوخه، وذكر لنا بعض مواقفه البطولية في الدفاع عن الدين، وبعض ما قيل فيه من الثناء، كما أورد فيه درسا كان الشيخ كُريّم ألقاه أمام الملك الحسن الثاني رحمه الله في رمضان سنة 1395، تحت عنوان: "الجهاد في سبيل الله"، ختمه بقوله: ( مولاي صاحب الجلالة، نضرع إلى الله عز وجل أن يجمع الكلمة، ويرص الصف، ويكلل الجهود، ويؤلف القلوب ).

وأما القسم الثاني، وهو الذي احتل الحيز الأكبر منه، فخصصه لديوان الشيخ كُريّم راجح، وما كنتُ أظن أن هذا الشيخ الجليل ينظم الشعر حتى رأيتُ ذلك في هذا الكتاب، وقد صدّر الدكتور يحيى الديوان بكلمة نقدية للعلامة المؤرخ الأديب إبراهيم التامري الحاحي حفظه الله، قال فيها عن شِعر الشيخ: ( فأعجبتُ أيما إعجاب بضلاعة الشيخ كُريم في شعره الرائع، من حيث الأسلوب والعبقرية، وتنوع المواضيع، وإصابة الهدف، وقد مزج في شعره بين الأصالة والجزالة، والمعاصرة والحداثة..).

وخَتم الدكتور يحيى كتابه هذا بصُوَر إجازات أجيز بها الشيخ كريم من مشايخه، وبعض الشواهد التي حَصّلها في دراسته بدمشق سنوات الخمسينات والستينات، وإجازته للمؤلف، وصُوره مع العلماء، وأخرى لعلماء ومشايخ كبار من سوريا..

جزيل الشكر للشيخ الدكتور سيدي يحيى الفيفي على هذه الهدية القيمة الجميلة، بارك الله في علمه وحفظه.

كتاب الإمام أحمد بن مبارك السجلماسي عن الكلام المنسوب لابن عربي حول نجاة فرعون


 

أهداني الدكتور ياسين السالمي ـ جزاه الله خيرا ـ الأسبوع الماضي، هذا الكتاب الذي حَققه، وهو مِنْ تصنيف الإمام الفقيه الصوفي سيدي أحمد ابن مبارك السّجلماسي المتوفى ـ رحمه الله ـ بفاس سنة 1156هـ.، ودُفن بقُبّة شيخه العارف بالله سيدي عبد العزيز الدباغ (ت 1132هـ).

وهو كتاب مفيد، أعجبني، ناقش فيه مؤلفه ما نُسِب إلى العارف ابن العربي الحاتمي (ت 638هـ) مِنَ القول بنجاة فرعون ! وما نُقل عن الإمام الشعراني (ت 973هـ) في تأييده ! ورَدَّ هذا الكلام المنسوب إليه بأدلة مِنَ الكتاب والسنة وأقوال الأئمة..

وبيّن الإمام سيدي أحمد ابن مبارك أنّه دُسّ في مؤلفات ابن عربي ومؤلفات الشعراني ما ليس من كلامهما، وطال بعض كتبهم التحريف، كما أعطى أمثلة على علماء كبار نُسبت إليهم أشياء غير صحيحة، ومنهم مَن نُسبت إليهم مؤلفات ليستْ من تصنيفهم.. !

فيجب التمهل والتحقق قبل نسبة بعض الآراء إلى مثل هؤلاء الأكابر، فقد تكون مكذوبة عليهم أنشأها الحُساد ومن يخالفهم في المذهب والرأي والاعتقاد..

وَنقل (ص 55) عن القاضي أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ) أنه قال في كتاب "الانتصار": ( ما حاصله: إنّ وجود مسألة مذمومة في نسخة من كتاب إمام، بل في نسختين، بل في ألف نسخة من ذلك الكتاب، لا يدل على أن ذلك الإمام قالها واعتقدها، حتى تَبلُغ إلينا عنه بالنقل المتواتر الذي يستوي فيه الطرفان والواسطة، ومتى لم تبلغ إلينا بهذا النقل فغنه يجب السعي إلى تأويلها إذا ثبتت إمامة ذلك المؤلِّف ).

وقال (ص 49) أنّ ابن عربي ( شهير الولاية، مازال العارفون من لَدن زمانه يشهدون بولايته في كتبهم ويُكثرون من نقل كلامه، ومنهم الشيخ ابن عباد، والشيخ الشعراني، والشيخ عبد الرحمن الثعالبي وأمثالهم..)، فيبعد على مثله أنْ يقول مثل هذا الكلام،

وهكذا فليكن النقاش مع العلماء، بالعلم والأدب، لا بالسخرية والاستهزاء وحكاية النكات وإطلاق القهقهات في المجالس العلمية كما يصنع بعض الناس اليوم !

وفي مقدمة "اليواقيت والجواهر" يقول الإمام الشعراني: ( أخبرني العارف بالله تعالى الشيخ أبو طاهر المزني الشاذلي رضي الله عنه، أنّ جميع ما في كُتب الشيخ محيي الدين مما يخالف ظاهر الشريعة مدسوس عليه، قال: لأنه رجل كامل بإجماع المحققين، والكامل لا يصح في حقه شطح عن ظاهر الكتاب والسنة، لأن الشارع أمنه على شريعته ). قال: ( فلذلك تتبعتُ المسائل التي أشاعها الحسدة عنه وأجبتُ عنها، لأن كتبه المروية لنا بالسند الصحيح ليس فيها ذلك ).

طُبع الكتاب بالرباط السنة الماضية (2024م)، وقَدّم له الأستاذ العلامة يدي أحمد شوقي بنبين، وعدد صفحاته: 112، وفي الكتاب فوائد أخرى، ومقدمة وتعليقات للمحقق في الهوامش مفيدة.