الخميس، 23 مارس 2017

شيخ الجماعة العلامة سيدي محمد المكي البطاوري الرباطي رحمه الله



مِنْ علماء المغرب الذين أنْجبتهم مدينة الرباط عاصمة المغرب الأقصى: شيخ الجماعة، العلامة، الشاعر، الأديب، الخطيب، القاضي، الكريم الأخلاق، سيدي محمد المكي بن محمد بن علي البطاوري الشرشالي الحسني.
ولد هذا العلامة الجليل شهر ربيع الاول عام 1274هـ، من بيت عريق المجد، أصلهم من مدينة شرشال، فانتقل أسلافهم منها إلى مدينة الرباط.

قرأ القرآن الكريم  على والده، ثم انتقل إلى كتّاب الشيخ محمد بن احمد الرغاي، فأخذ عنه مبادئ الحساب وعدة متون..
أخذ العلم عن شيوخ الرباط، كالفقيه محمد بن عبد الرحمن التادلي، والقاضي أحمد بناني، والفقيه محمد بن إبراهيم بناني، والقاضي محمد بن عبد الرحمن البريبري، والقاضي أحمد ملين، والفقيه عمر عاشور، والفقيه التهامي بناني، والشيخ الهاشمي الزياني الضرير، ولازم كثيرا الامام إبراهيم التادلي وهو عمدته.
وأخذ عن غيرهم كالعلامة سيدي علي بن سليمان الدمناتي، وبالمدينة المنورة عن الشيخ عبد الجليل برادة، والشهاب الكسراوي..

مارس التدريس في مساجد وزوايا الرباط، ودرّس مختلف الكتب في أنواع العلوم، فاستفاد منه الكثير من أبناء العدوتين، ومن الآخذين عنه: القاضي المؤرخ سيدي عبد الحفيظ الفاسي، والعلامة العارف سيدي فتح الله البناني، والعلامة المحدث سيدي المدني بن الحسني، والشيخ المؤرخ سيدي عبد السلام ابن سودة، والشيخ الفقيه سيدي الغازي بن محمد سباطة، والعلامة العارف سيدي محمد الباقر الكتاني، والأديب المؤرخ سيدي محمد بوجندار، والعلامة الحافظ سيدي أحمد بن الصديق، وشقيقه العلامة المحدث سيدي عبد الله بن الصديق، وغيرهم من المشايخ والعلماء.

ترك عدة مؤلفات، منها: تعليق على ألفية السيرة للعراقي، تقييد في ختم الموطأ، الدروس الحديثية في المجالس الحفيظية، معراج الراقي لألفية العراقي، شافية الدجم على لامية العجم، تقييد مختصر بشرح منظومة البيقوني في علم الاثر، كتاب التنصيص على شواهد التلخيص في علوم البلاغة، شرح الأرجوزة الفائقة المستعذبة الرائقة فيما يحتاج الأتاي إليه ويتوقف شربه وإقامته عليه، وهذه المؤلفات كلها مطبوعة، وله غير ذلك.

وبعد حياة حافلة بالعطاء العلمي، توفي بمدينته الرباط شهر محرم سنة 1355هـ/1936م.
ترجم له العديد من العلماء في مؤلفاتهم التي يُعرّفون فيها بشيوخهم، وأفرده بالترجمة الشيخ العلامة سيدي عبد الله الجراري، والكل يُثني عليه ويُشيد بعلمه ويَرفع من شأنه ويشكر أخلاقه وآدابه وتواضعه وجميل سيرته..

وذَكر لي أحد الأفاضل أنه حين كان صغيرا رأى هذا الشيخ الجليل، وأراني بيته بالرباط، وهو ممن العلماء الذين أحبهم للطفه، وأريحيته، وجميل أخلاقه، ولما قيل فيه من الثناء العطر.. وقد رأيته يوما في المنام دَخل عليّ في غرفة كنتُ أتكئ فيها، وكان يلبس جلبابا أبيض ويضع على رأسه عمامة بيضاء، فقمتُ إجلالا له، فعانقني وعانقته، وقلتُ له ورأسي على كتفه أُعبر له عن حُبي له: "أَسِيدي المْكِّي، رَاكْ عْزِيزْ عْلِيا، أَسِيدي المِكِّي، راكْ عْزِيزْ عْلِيا".

فنسأل الله أن يجدد على قبره الرحمات، وأن يُعلي له الدرجات، وأن ينوّر مرقده، ويغفر له..

السبت، 25 فبراير 2017

عن كتاب : نغبة الظمآن لأبي حيان الأندلسي.


لا يسعك إلا أن تشكر هؤلاء الذين يهتمون بتحقيق تراث علماء الأمة والعناية به وإخراجه من عالم المخطوطات الى عالم المطبوعات، فليس ذلك بالأمر السهل، إذ يحتاج لجهد عظيم، وبحث طويل، وصبر وبذل..
ومن المؤلفات التي تُنشر لأول مرة، كتاب: "نُغبة الظمآن من فوائد أبي حيان" لأبي حيان الأندلسي، العالم الإمام النحوي المقرئ المفسر، المشهور المعروف، صاحب "البحر المحيطّ" رحمه الله تعالى، اعتنى بتحقيقه: الشيخ الأستاذ سيدي خالد السباعي جزاه الله خيرا، ونشرته سنة 1436هـ/2015م دار الحديث الكتانية.
وقد قدم الشيخ المحقق للكتاب بمقدمة مهمة في أزيد من 60 صفحة، مما ذكره فيها:
ان هذا الجزء النفيس لابي حيان كان من النوادر التي تزخر بها خزانة الشيخ سيدي عبد الحي الكتاني رحمه الله ضمن مجموع جلبه من بيروت عام 1351هـ، وأن المؤرخ عبد الله الجراري ذكر في "رحلته الربيعية لفاس" أنه رآه في خزانته..
ثم أتى بترجمة لأبي حيان اقتطفها من كتاب "أعيان العصر" للامام الصفدي، وهي طويلة، أثارني فيها كثرة شيوخه، ونعته بأمير المؤمنين في النحو، وأنه خدم علم النحو مدة تقارب الثمانين، وما ذكره عن ميله لأشعار العشق والشجاعة وعدم تأثير أشعار الكرم عليه ! وأنه كان يفتخر بالبُخل كما يفتخر غيره بالكرم ! وأنه كان يعيب على مشتري الكتب ! وما أعجب ما وصفه به الامام الصفدي في الاستدعاء الذي كتبه إليه، وما أغرب جواب شيخه الأندلسي عليه..
ثم ذَكَر المحقق بعض مصادر ترجمة هذا الامام، وما فيها من الفوائد، وعرّف بالكتاب ومضمونه، واهتمام العلماء بأخذه عنه، وتاريخ تأليفه، وكتب التاريخ والطبقات وغيرها التي استفادت منه أو رفعت إسناده اليه..
وأما مضمون الكتاب فهو انتقاء لبعض مرويات المؤلف، من أحاديث يرويها بإسناده، وأشعار وقصائد له أو لأندلسيين، وأقوال في الجرح والتعديل، وغير ذلك، منها ما رواه (ص101) عن أبي محمد علي بن أحمد اليزيدي الحافظ أنه قال: ( ما أضر على العلوم وأهلها من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدّرون أنهم يصلحون).
وفي تعليقات الأستاذ السباعي الهامشية على الكتاب أيضا فوائد وتعريفات وتنبيهات جميلة، كقوله (ص86) نقلا عن الوادي آشي أن عبدالله بن محمد بن هارون الطائي اختلط آخر عمره فهو مما يُستدرك على كتاب "الاغتباط" لسبط ابن العجمي وكتاب "الكواكب النيرات" لابن الكيال، ونقله عن نسخة لمعجم المؤلف في مِلك شيخه نظام اليعقوبي البحريني، ذكر فيها أنه سمى بنتا له بنضار للمرة الثانية بعد وفاته ابنته التي رثاها بكتابه "النضار في المسلاة عن نضار"..

عدد صفحات الكتاب: 139.

الاثنين، 10 أغسطس 2015

كتاب أم الطلبة



صدر حديثا للأستاذ الكاتب السيد رضى الله عبد الوافي ابن العلامة الأديب الوزير سيدي محمد المختار السوسي، بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة السيدة والدته: الحاجة الشريفة للاّصْفية بنت إبراهيم التازروالتي رحمها الله، كتاب في ترجمتها عَنْونه: " أم الطلبة "، تحدّث فيه عن والدته: نسبها، مولدها، سيرتها، وهواياتها، وما عُرف عنها من أخلاق كريمة طيبة.. كما تكلم فيه عن مجريات احداث زواج والده بها، والذي كان اقترَح عليه كبار العلماء ـ كالشيخ أبي شعيب الدكالي ـ وبعض وجهاء مراكش بناتهم فلم يقع اختياره إلا عليها، وذكر فيه مراحل حياتها متنقلة مع الشيخ زوجها بيْن: مراكش حيث مدرسة الرميلة، فكانت تعتني فيها بإكرام طلبتها وضيوف زوجها السادة العلماء والأدباء وغيرهم من الفضلاء، ثم مرحلة إلغْ، حيث نُفيتْ معه بسبب مواقفه الوطنية، ثم ما بعد النفي، حيث عادتْ رفقته إلى مراكش، ثم للدار البيضاء، وكان الاستقرار أخيرا بعد الاستقلال بالرباط العاصمة، وبها كان مرقدها غير بعيد عن مرقد زوجها.

قدّم للكتاب الدكتورة آمنة الراضي التي حصلت مؤخرا على الدكتوراه من كلية الآداب بأكادير في موضوع "الرؤية النقدية عند محمد المختار السوسي بين التنظير والتطبيق"، فكان من جميل المناسبة أن يكون من يُقدم لكتاب يتحدث عن سيدة سوسية جليلة سيدة كريمة من أبناء سوس أيضا.

وفي آخر الكتاب شهادات لستة من الشخصيات التي عرفت السيدة والدته، وخالطتها، أو نالها من إحسانها وكرمها، منهم بعض تلامذة والده الذين درسوا في مدرسة الرميلة: الشيخ الفقيه رئيس إحدى المجالس العلمية بالدار البيضاء سيدي حسن الأمين، والشيخ الفقيه خريج جامعة ابن يوسف بمراكش سيدي محمد المعتمد، وقد كنتُ رافقته حين سجل شهادتهما بالدار البيضاء، فرأيتُ كيف يكون توقير العلماء الأجلاء الفضلاء لشيخهم الذي اعتنى بهم، وكيف هو شوقهم له، وكيف هي محبتهم له، وتسمع من أحدهم يقول أنه صاحب الفضل عليّ، وأنه لا يزال يرى الشيخ في المنام المرة بعد المرة على حالة نورانية عالية.. 
كما أتى فيه بشهادة الدكتور محمد خليل وشهادة زوجته، والسيدة مينة الحاج السليماني، وأتى بكلمة للأستاذ عبد الله السعيدي عضو جمعية علماء سوس، وختام صفحات الكتاب تقريظ للأستاذ سمير الوناسي المراكشي.

يجد القارئ في الكتاب نقول كثيرة من مؤلفات العلامة سيدي محمد المختار السوسي، المطبوع منها والمخطوط، كما يجد فيه العديد من الوثائق المتنوعة، وصور للعديد من رسائل التعزية فيها وغير ذلك.
فجاء مؤلفا لطيفا، ممتعا، ينضاف إلى قائمة الكتب التي أفردها علماؤنا الأجلاء في ترجمة أمهاتهم، كالشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني الذي له كتاب : "ترقية المريدين بما تضمنته سيرة السيدة الوالدة من احوال العارفين" (1)، والشيخ القاضي سيدي احمد سكيرج الذي ألف: "الغنيمة الباردة في ترجمة سيدنا الوالد وسيدتنا الوالدة"، والشيخ المحدث سيدي محمد الباقر الكتاني له صنف كتاب: "صيد المآثر الشاردة في ترجمة السيدة الوالدة" (2).

فهنيئا للأستاذ المؤلف سيدي رضى الله عبد الوافي على هذا الإنتاج الجديد الذي يدل على بُروره بوالدته، والذي لاشك سيُفرح أهل سُوسْ ونساء سوس، وسيُضيف الكثير عن سيرة شيخ الجماعة بسوس العلامة الوزير سيدي محمد المختار السوسي، ويُبرز دور ومكانة زوجته التي كان يحبها ويعتز بها في مسيرته الحياتية الحافلة الناجحة.


-------------------------------
1) مطبوع، نشر سنة 2007 م.
2) التأليف ونهضته بالمغرب (ص 117)

السبت، 11 يوليو 2015

الشيخ الدكتور سيدي محمد أبو بكر باذيب




في  شهر ماي سنة 2014م رأيتُ فيما يرى النائم أنني قصدتُ فندقا وأنا أحملُ في يدي قُفة مليئة بـ "مجلة العربي" أريد أن أهديها للشيخ الدكتور سيدي محمد أبو بكر باذيب، وحين دخلتُ الفندق رأيتُ الشيخ ينزل الأدراج وهو يحمل قفة مثلها ممتلئة هي أيضا بمجلة العربي كيْ يُهديها إليّ.
ما كنتُ أظنّ أنه سيأتي اليوم الذي ستتحقق فيه الرؤيا، فألتقي في بالشيخ وأجالسه وأكلمه مباشرة، لكنْ ذلك ما حصل صبيحة يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، وسبحان الله تعالى القائل: ( وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ).


فقد استدعت الطريقة البَصيرية العديد من رجال العلم والفكر والتصوف للحضور للمشاركة في الندوة العلمية التي عقدتها في مقر زاويتها ببني عياط بأزيلال، يومي الثلاثاء والأربعاء 18-19 شعبان 1435هـ، الموافق لـ 16-17 يونيو 2014م، وكان الشيخ الدكتور سيدي محمد باذيب ضمن العلماء الذين استُدعوا لكي يفيدوا بعلمهم، وكانت مداخلته تحت عنوان: "دور صوفية اليمن وحضرموت في تعزيز الأمن والاستقرار".


في صبيحة يوم الثلاثاء، وبينما أنا أنتظر في محطة الطاكسي ظهور إحداها كي أركبها تقربني إلى حيث الموعد مع الشيخ سيدي محمد باذيب، إذا بصديق من أيام الدراسة لم ألتقه مُنذ مدة طويلة كُنيتُه "جَمالي" يُلقي عليّ السلام والتحية، فتفاءلتُ به، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل بالأسماء الحسنة، وكان « يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع يا راشد، يا نجيح »، فقلتُ: "إنْ شاء الله يكون هذا اليوم من الأيام الجميلة".

وحين تأخرت الطاكسي ركبتُ الحافلة، وبينما هي تسير إذا بهاتفي النقال يرنّ، ففتحته أنظر ما الخبر ؟ فرأيتُ رسالة تظهر فيها صورة هدية كُُتب فوقها بالانجليزية كلمة وهي: "birthday"، فاستغربتُ كثيرا، فليس اليوم ذكرى مولدي ! ثم أغلقته وقد ازددتُ استبشارا، وحين بلغتُ الفندق، وبينما أنا أنتظر نزول الشيخ منْ غرفته؛ إذا بالهاتف يرن مرة أخرى، وإذا بنفس الرسالة تظهر من جديد، فقلتُ في نفسي: "نعَمْ، قد فهمتُ ما ترْمي إليه، إنّ يوم اللقاء بأهل العلم والفضل ليُعد منَ الأعياد"، ألمْ يقل العلامة الوزير سيدي محمد المختار السوسي رحمه الله تعالى:


        بُشرى قد انتظم الياقوت في الجيد  *   أليس يـوم اجتماع الشمل بالعيـد
        اليـوم  تـرقـص  بالأفـراح  أفئـدة  *   نشوى فترسل من شتى الأناشيد (1)

بالبشر استقبلني الشيخ، وبعد المصافحة والعناق، شاركته إفطاره، وأهداني ـ جزاه الله خيرا ـ بعض ما ألّفه مما كنتُ أتشوق كثيرا لحيازته وقراءته، وأهديته أنا بدوري رسائل صغيرة كنتُ أحملها في محفظتي، وأظن أنّ أفضل هدية تُقدمها لعالم هي الكتب، فإن لها في قلوب العلماء مكانة، وإليها يشتاقون . 
قال العلامة الأديب سيدي محمد المختار السوسي رحمه الله:

كتبي فلا عيش لي من دونها، أوَلمْ * تدْروا بأن ليس إلا الكتب ملتحدي
فالكتب سـؤلـي وأمالـي ومنتعـشـي * وأنْـس قلبـي ومنها وحـدها جلـدي
فحـبـهـا     خامـرت     بـشاشـتـه * ما كان بيـن شراييني وفي غـددي
   بها مزاجـي وتمييـزي، فإن ذهبـتْ * تـذهـب بتمييـز ما بالـيـوم أو بغـد (2)

ومنْ سعادتي أنه دعاني لمُرافقته لزيارة الشيخ الجليل العلامة سيدي إدريس بن الإمام محمد بن جعفر الكتاني، فتبركتُ بتقبيل يد ورأس الشيخ سيدي إدريس، ومتعتُ ناظري بمشاهدة مُحياه الكريم، فإنه حقا لمن بركات مدينة الرباط عاصمة المغرب الأقصى.

ثم قصدنا جنة العلماء، ألا وهي المكتبات، حيث يسترخصون إنفاق الأموال المحبوبة بسخاء كبير، وفي مكتبة "الألفية الثالثة" التقينا بصاحب الابتسامة الصافية، الشيخ الخطيب الداعية، سيدي الحسن بن علي الكتاني، فازداد اللقاء صفاءا وبركة، ثم رافقتُهما إلى "مكتبة دار الأمان"، بعدها أضافنا الشيخ سيدي الحسن الكتاني على شرب العصير، وكان برفقتنا أحد أشقائه الكرام، فازداد اللقاء حلاوة، بعدها حملنا بسيارته إلى الفندق، ومنه إلى حيث تنتظر الشيخ سيدي محمد باذيب حافلة صغيرة للمسافرين "mini bus" تحمله إلى قبيلة بني عياط حيث الندوة الدولية.

هي ساعات قليلة أمضيتها مع الشيخ الدكتور سيدي محمد باذيب، لكن البركة فيها كانت كبيرة، وقد مَرّ على اللقاء به أسبوع كامل، ولازِلتُ لليوم أتذوق طعم حلاوة ذاك اللقاء.

فيا أهْل اليمَن، إنّ لديكم من أهل العلم سادة كرام أفاضل أخيار، إنْ لم تعرفوا لهم قدرهم وفضلهم فإن في بلاد المغرب الأقصى من يعرف لهم مكانتهم، ويفرح بلقائهم، ويتمتع بإمضاء الساعات معهم، ويعدها من المغانم الغالية، بل يرى يوم اللقاء بهم يوم عيد، منهم الشيخ الحبيب الدكتور المحقق سيدي محمد أبو بكر باذيب.
----------------------------
1) "معتقل الصحراء" (1/ 81).
2) "معتقل الصحراء" (1/ 38)

الجمعة، 12 يونيو 2015

كتاب "ألقابُ الأسَر"



ذكر الإمام احمد المقري التلمساني في "أزهار الرياض" يُبين أسباب التأليف عند السادة العلماء:« رأيتُ بخط بعض الأكابر ما نصّه: المقصود بالتأليف سبعة: شيء لم يُبق إليه فيؤلف، أو شيء ألف فيكمل، أو خطأ فيصحح، أو مُشكل فيُشرح، أو مطول فيختصر، أو مفرق فيُجمع، أو منثور فيُرتب » (1). وكتاب: "ألقاب الأسر" جمع فيه مؤلفه الشيخ المُسند النسّابة سيدي محمد بن عبد الله آل رشيد ما تفرّق في غيره مما يخص ألقاب الأسَر، وشرْطهُ فيه أنْ تكون تلك الألقاب « عُرف سببها، وسَرتْ على العقِب » (2).


وإنه لكتاب مُمْتع، كثير الفائدة، وكيف لا يكون كذلك وقد استقى مؤلفه مادته مما يزيد على 480 مرجعا، منها المطبوع، ومنها المخطوط، ومن مجلات، وجرائد.. 



كما اعتمدَ فيه إفادات شيوخه له، ومن أولئك المشايخ من هم اليوم قد توفوا وانتقلوا إلى ديار الآخرة، نذكر منهم من أعلام قطرنا المغربي: المؤرخ عبد الوهاب بن منصور، والدكتور عبد الهادي التازي، والموسوعي عبد العزيز بن عبد الله، والدكتور عبد السلام الهراس. فحفظ لنا الشيخ المؤلف إفاداتهم حية بين ثنايا كتابه هذا، رحمهم الله ورضي عنهم.



كما نراه أيضا ينقل فيه ما استفاده ـ في الموضوع ـ عن أصدقائه (3)، فليس هو ممن يُنكر الفائدة ولا يعزوها إلى أصحابها إن كانوا من أقرانه، إذ تلك طريقة من أخطأ سُلّم الارتقاء إلى المعالي، وأصدقاءه ـ ما شاء الله ـ كُثر، ثم إنه يُطلق على كل واحد منهم من الألقاب ما يبرز مكانتهم وفضلهم، ويَشكرهم...



ومنَ اللطيف أنه استْشهد بإبنه القاضي الأديب السيد نواف، نَقل عنه ما رواه عن الشيخ العلامة محمد علي نزيل دبي، وذلك عند حديثه عن سبب لقب "سلطان العلماء" (4)، وهذا يدخل في باب رواية الآباء عن الأبناء، وللحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تأليف مستقل في هذا النوع من أنواع علوم الحديث.



وتجد العديد من أسباب ألقاب تلك الأسر استفادها الشيخ المؤلف ـ حفظه الله ـ من بعض أبنائها، ما يجعلك تظن أن الشيخ يسأل كل من يلتقيه عن "الاسم وتوابعه" (5).



ومما يجَب أنْ لا يُهمله المُطالع للكتاب؛ تلك التعليقات التي يُثبتها المؤلف في الهوامش، فكم فيها من لطائف، وتنبيهات (6)، ومباحث، وحكايات، وتصحيحات، وتعقيبات على ما كتبه الشيوخ والعلماء في مؤلفاتهم، وفوائد كثيرة متنوعة في الحديث، والتراجم، واللغة، والفقه، والتاريخ، وعن الكتب المخطوطة وأماكن تواجدها، وعن المؤلفات في موضوع مُحدد..



ثم إنه وَسّع دائرة الحديث عن ألقاب الأسر لتشمل مختلف الدول العربية، فتجد فيه الأسر المغربية، واليمنية، والشامية، والمصرية، العراقية، وغيرها من الدول..

كما تجد فيه الحديث عن ألقاب الأسر الشيعية، والمسيحية: المصرية واللبنانية..


وقد افتتح كتابه ببيان سبب تأليفه له، ومنهجه فيه، ومعنى اللقب في اللغة والاصطلاح، والآداب الشرعية للتلقيب، والألقاب في القرآن الكريم وفي السنة المشرفة، وتحدث عن تنوع أسباب الألقاب والنِّسب، وعن شخصية الملقَّب وأثرها في وقع اللقب، وأنه لا اجتهاد في أسباب الألقاب، وأنها في الغالب ليست على ظاهرها، وأعطى أمثله على من لقّب بصنعة أو مهنة وهو لم يتعاطاها البتة، وهو عنوان لطيف، أو من نُسب إلى بلد أو موضع وهو ليس منه، وما جاء في الألقاب على ضد معناه، وعلى عناية أهل العلم بمعرفة أسباب الألقاب، وأتى بنماذج مما ألفه العلماء في الألقاب، ولطائف متفرقة.



وختمه بتتمات مشوقة، ومُلحق. 

أما التتمات فذكر في الأولى من نُسب إلى كتاب، وفي التتمة الثانية من جمعَ حديث راوٍ أو أكثر الرواية عنه فلُقبَ به، وفي التتمة الثالثة معنى لقب شيخ الإسلام.
وأما الملحق فهو عبارة عن مقال للأستاذ السيد شحاتة عنوانه: "فلسفة الأسماء"، نشر بمجلة الرسالة سنة 1357هـ/1938م، وهو أيضا ممتع.


لقد انتفعتُ بمطالعة هذا الكتاب القيّم، واستفدتُ منه الشيء الكثير مما لم أكنْ أدْريه وأعلمُه، فجزى الله مؤلفه الشيخ المسند النسابة سيدي محمد آل رشيد خير الجزاء على هذا الإنتاج العلمي النافع الذي أتحفنا به.

والحمد لله رب العالمين.
-------------------
1) "ازهار الرياض في اخبار عياض" (3/35).
1)  "ألقاب الأسر" (ص 7).
3)  من الجميل أنه ترجم في سطور (ص 209) وفي (ص 276) لبعض أصدقائه يُعرّف بهم.
4)  (ص 357).
5) من المسلسلات الحديثية: مسلسل السؤال عن الاسم وتوابعه.
6)  ومما نبه عليه المؤلف: أخطاء وقعت له في بعض كتبه المطبوعة، كما في (ص 286)، و(ص 288)، و(521).

السبت، 28 مارس 2015

الذكرى الثالثة لوفاة الشيخ العلامة سيدي مصطفى النجار رحمه الله



في مثل هذا اليوم من سنة 2012م، شيَّعَ رجال الفكر والثقافة والسياسة والتصوف والأدب، وجمهور غفير من المسلمين قدموا من مدن بعيدة، الشيخ الفقيه العلامة سيدي مصطفى النجار إلى مَثواه الأخِير، وقد كان مُصاب أهل سلا به كبيرا، فقد فقدوا رجلا يَحقّ لهم الفخر بمثله والاعتزاز بكونه مِن مدينتهم، لسِعة علمه، وحُسن سيرته، وجمال أخلاقه، وكمال أدبه، واشتغاله بتعليم الناس أمر دينهم لسنوات طويلة من حياته.

سيفتقدون فيه ذلك العالم الهادئ المتواضع، الليّن الصبور، الذي لا تُمل مُجالسته، والذي يَستشعرون بالقرب منه معاني الأخوة والصحبة الإيمانية، فكانوا يقصدون بابه لحل مشاكلهم وليجدوا عنده جواب أسئلتهم المُحيّرة. 

سيفتقدون فيه نموذج العلماء الأجلة، الذين تشَرّبوا محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يُنشد مع المنشدين قصائد المديح النبوي، وإذا ذُُكر عليه الصلاة والسلام تقطر الدمعاتُ مِن عينيه. 

كما كان مُحبا للغة القرآن، وكمْ له من القصائد في مختلف المواضيع الشعرية والأدبية، ألقاها في مناسبات متنوعة، أو نُشرت له في المجلات الإسلامية، ومما كان ينشده يدعو لإتقان لغتنا العربية:

    حِفظُ اللغات علينا    فرضٌ كفرض الصّلاة
    فليـس يُضبط دينٌ    إلا   بحـفـظ   اللغــات

سيفتقده منزله الذي كان يَذكُر فيه أوْراده، ويقرأ فيه كتاب ربّه، ويصلي فيه بالليل ركعات تطوعا ونافلة.

ستفتقده الزاوية التهامية التي كان يسرد فيها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الموسم. وستفتقده الزاوية الحسونية التي كان يسرد فيها المولد الشريف، كما كان ينظم فيها مسابقة في تجويد القرآن الكريم. وستفتقده الزاوية التجانية التي كان يصلي فيها ويُلقي فيها دروسه.

وسيفتقده كرسي العلماء والوعاظ بالمسجد الأعظم الذي درس فيه العقيدة والفقه والحديث و"مختصر" الشيخ خليل، وسيفتقده مسجد رضا، ومسجد للاالشهباء الذي ختم فيه تدريس "مختصر الدر الثمين" لميارة، ومسجد الولي الصالح سيدي مرزوق، ومسجد الرضى.

وسيفتقده من مساجد الرباط: مسجد مولاي سليمان، ومسجد الشهداء الذي كان يخطب فيه خطبة الجمعة ويلقي فيه دروسه، ومسجد مولين، وغيرها من مساجد وزوايا العدوتين التي دلّ وأرشد فيها لما فيه النفع في الآخرة. 

ستحن إليه ثانوية النهضة التي درّس فيها وتلاميذها الذين تخرجوا منها. 

سيفتقده طلاب العلم الذين كانوا يقصدون بيته المفتوح دائما لهم، فمن أينَ لهم بمِثل نكاته العلمية وملاحظاته الدقيقة وتوجيهاته السديدة ؟ 

سيفتقدون فيه نموذج العالم المُحترم الذي كان يُعَظم شيوخه ويَذكرهم بكل أدب وتعظيم وإجلال. 

كما سيفتقدُ الناس فيه نموذج الوطني الغيور، والمجاهد المُخلص، الذي يهتم لأمرهم ويَبث في قلوبهم حب البلاد وروح الوطنية.

لقد كان يهيم بمحبة العلم، وكان يدعو الله تعالى ـ كما سمعتُ تلميذه الشيخ الأستاذ سيدي عبد السلام الطاهري ينقلُ عنه ـ :« اللهم أحْيِني في قبري كَيْ أقرأ العلم وأتدارسه مع شيوخي الذين سبقوني وتلامذتي»، وقد أخذه عنْ كبار العلماء، كالشيخ أحمد بن عبد النبي السلاوي، والشيخ محمد المدني بن الحسني، والشيخ محمد بن الطيب الصبيحي، والشيخ عبد الرحمن بن محمد الباقر الكتاني، والشيخ محمد بن أبي بكر التطواني وغيرهم.

وقد سار في هذا الدّرب إلى أن صار رئيسا للمجلس العلمي لسلا سنة 2004م. 

ومن المؤلفات النافعة التي حققها، فأخرجها من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات، كتاب: "السلسل العذب" لمحمد بن أبي بكر الحضرمي، و"النوازل الفقهية" للعلامة أحمد بن الفقيه الجريري، و"المورث لمشكل المثلث" للعلامة عبد العزيز المغربي.

مزاياه رحمه الله تعالى عديدة، ومناقبه كثيرة، ومع أنه مَرّ على وفاته ثلاث سنوات؛ إلا أن ذِكْره لا يزال يُعطّر الأجواء، والثناء عليه لا يَنقضي. 

وقد أحسن الشيخ الأستاذ سيدي عبد السلام الطاهري حيث جمع في كتاب "مدينة سلا تودع العلامة مصطفى النجار" ما ذُكر في تأبينه من كلمات وقصائد، كما ألف بمشاركة الأستاذ محمد بن عزوز كتابا عن الفقيد عنوانه:"العلامة مصطفى النجار من أعلام الثقافة والفكر بمدينة سلا"، فأحسنا وأدّيا بعض الحق الذي للشيخ على طلابه خاصّة وعلى أهل العلم عامة.

ولد الشيخ مصطفى النجار بسلا سنة 1931م، وتوفي عليه الرحمة والرضوان بنفس المدينة يوم السبت 24 ربيع الثاني 1433هـ الموافق 17 مارس 2012م.


السبت، 24 يناير 2015

من سيرة الإمام محدث الشام العلامة سيدي بدر الدين الحسني رحمه الله




الرجل كان قمة في العلم، قمة في الأخلاق، زيّن الله به بلاد الشام، وفخِرت به عن غيرها من البلدان.
تجد في كتاب "محدث الشام العلامة السيد بدر الدين الحسني" لمؤلفه الشيخ المسند النسابة سيدي محمد بن عبد الله آل رشيد، الذي جمع فيه مقالات تلامذة هذا الإمام عنه بعد وفاته، وهي مقالات كلها تفيض محبة واعترافا بفضائله وشمائله ومزاياه، وفيه أيضا كلمات وقصائد في مدحه، وأخرى في رثائه ترى فيها تأوهات على فقده وحزن وأنين، وعلى فقد مِثله يحق البكاء.

استوقفتني في سيرته العديد من الصور، منها:

أنه كان يأمر بالحقّ، ويدعو لجهاد المستعمر الفرنسي ولم يكن منَ القاعدين.

وأنه كان يشفع للضعفاء لدى رجال السلطة، ويُشفق على المَسجونين، فيدخل السجون ليَعِظهم و يَدُلهم على الطريق الهادية والسبيل القويم.

وأنه ـ مع ما وصل إليه مِن عِلْمٍ وشُهرة ـ كان منْ كبار المتواضعين، فلم يكن يرى نفسه فوق أحدٍ منَ المسلمين، حتى العُصاة مِنهم كان يَراهم بعيْن التعظيم، ومِن أغرب حِكاياته، ما ذكره تلميذه الأستاذ المفكر الداعية محمد المبارك رحمه الله في مقالته عنه (ص 146)، قال:« من أغرب ما سمعتُ مِن تصرّفه وطرائق إصلاحه، حادثة عجيبة سمعتها ممّن وقعت له مع الشيخ رحمه الله، ذلك أنه استدعى أحد أصحابه وهو الذي حدثني بالقصة، وكان شيخا في نحو الستين من عمره، ذا لحية كبيرة، وعمامة من هذه العمائم التي يتخذها عامة الناس من أهل الشام من التجار وأهل الحِرف، ثم قال له: تذهب إلى محَل البِغاء، وتسألُ عن الكبيرة التي تدير شؤون البغايا، وتعطيها هذه الدنانير الذهبية العشرة، وتقول لها: إن الشيخ يطلب منكِ أن تأمري مَن عندكِ مِن البنات أن يغتسلن، ثم تعطي كل واحدةٍ منهن دينارا ذهبيا، وتطلبي إليها أن تدعو للشيخ. فحارَ الرجل في أمره كيف يذهب بهيئته هذه إلى مثل هذا المحل، ثم لم يجد مَناصا بعد أن أمره الشيخ مِنْ تنفيذ ما أمره به. 

قال لي: وقد نفذتُ ما قال لي، ولم أخرجْ حتى سمعتُ بكاءهن ونحيبهنّ، ولاشك أن أكثرهن وربما كلهنّ قد تُبنَ ممّا كنّ فيه وغيّرن حياتهن وعُدنَ إلى الحياة الشريفة المستقيمة» انتهت الحكاية.

ذكّرتني هاته الحكاية بما كنتُ قرأته ـ إن لم تخني الذاكرة ـ في "الطبقات الكبرى" للإمام الشعراني، في ترجمة بعض الأولياء، أنه كان يمضي إلى دور البغايا اللواتي هرمن وكبرن في السّن، ولم يُعد يأبه بهن ولهن أحد، فيعتني بتمريض مَن كانت منهن مريضة، ويساعد على تحسين حالتهن المعيشية.. وكنتُ حينها استغربتُ هذا الخلق العجيب، الذي زاد مِن تقديري للسادة الصوفية ومنْ مَحبتي لهم.

فما أعظم تلك القلوب اللطيفة الشفيقة التي امتلأتْ رحمة وعطفا على الخَلق: العُصاة منهم والطائع، وصلى الله وسلم على سيد الخلق وشفيع الأنام يوم الزحام الذي بعث رحمة للعالمين والقائل:« الراحمون يرحمهُم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ».

ولم تكن شفقة الشيخ على المسلمين فقط، بل شملت عطفته أيضا غيرهم من أهل الملل الأخرى.

يذكر الأستاذ محمد المبارك في نفس المقال (ص 141)، قال رحمه الله:« كان الشيخ يتفقد أحيانا بعض أصدقائه ومعارفه القدامى ممن لا يَعرف الناس صلته بهم، أو بعض أرحامه، وأكثر ما يزور من الناس البُسطاء، وقد يزور غيرهم. كما كان يتفقد بزياراته بعض أهل الملل الأخرى، وقد اشتهرتْ زيارته لحيّ النصارى في أيام الثورة، في وقتٍ شاعتْ فيه شائعة خبيثة روّجها دُعاة السّوء وأبواق الفرنسيين، وهي أن الثوار يريدون الاعتداء على الحيّ، فكان لزيارته معنى رائع عظيم، وهو التضامن بين المسلمين والمسيحيين في محاربة الفرنسيين المستعمرين ».

فلا يستغرب المرء حينما يقرأ في تراجم بعض الصالحين وبعض العلماء الحلماء العاملين، أنه حضر جنازتهم إضافة إلى المسلمين: اليهود والنصارى، فإن الرّحماء تُحبهم جميع القلوب.

وعلى قدر الرحمة في القلب، تكون الشجاعة. 



فرحمة الله على الإمام بدر الدين الحسني، العالم، الرباني، العاقل، الشفيق، الشجاع، زينة بلاد الشام.