‏إظهار الرسائل ذات التسميات شيوخ وأعلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شيوخ وأعلام. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 23 سبتمبر 2024

الفقيه سيدي البشير بن عبد الرحمن

 



اشتريتُ البارحة هذا العدد من مجلة الفرقان، صدر سنة 1428/2007، في آخره تجد ترجمة لأحد فقهاء منطقتنا سُوس، وهو الشيخ الفقيه الخطيب المدرس المربي سيدي البشير بن عبد الرحمن، فأحببتُ أن أختصر ما جاء فيها(*) للتعريف بهذا الفقيه الفاضل.

ولد نوَّر الله مَرقده بقرية أولاد عيسى قبيلة المنابهة شرق مدينة تارودانت، سنة 1343/1925، فأدخله والده الكُتاب، وأتم حفظ القرآن الكريم حين بلغ الخامسة على يد شيخه سيدي محمد بن احمد أبريم الجداوي التزنيتي، وبقي معه لم يفارقه إلى أن ختم عليه القرآن العظيم تسع مرات، وصار ينوب عنه في التحفيظ والندريس والإمامة.

ثم طلب العلوم بعدة مدارس بعد وفاة شيخه هذا، ومن شيوخه الذين أخذ عنهم: الفقيه اللغوي أحمد توفيق الوفقاوي، والفقيه اللغوي أحمد العتيق تلميذ العلامة المختار السوسي.

كان صاحب حافظة قوية، يحفظ اللوح بعد قراءة ما فيه أربع مرات، ويقرأ الكتاب فيبقى يستحضر ما فيه مدة طويلة! وكان يستحضر الكثير من المتون العلمية شأن الكثير ممن يدرس بهذه المدارس العتيقة.

مارس التعليم، فدرّس في المدارس العتيقة، ثم بثانوية محمد الخامس للتعليم الأصيل، وأشرف على المدرسة العلمية بقبيلة دمسيرة ناحية إمِنْتانُوتْ، وأشرف على المدرسة الهاشمية في تمنار ناحية الصويرة، ثم أشرف على فرع المعهد الإسلامي بتالِوِينْ، ثم إلتحق بهيئة التدريس بالمعهد الإسلامي بتارودانْتْ، فاستفاد منه المئات من الطلاب، من أشهرهم الشيخ محمد زحل.

كان خطيبا بمسجد قريته، ثم بمسجد سيدي وسيدي بتارودانت، خطب فيه لمدة ستة عشر سنة، وكان يلقي دروسا أسبوعية في عدة مساجد.

وكان عضوا في جمعية علماء سوس، وعضوا في رابطة علماء المغرب، متواضعا، زاهدا في الدنيا، كريما، بيته مقصد الأضياف والأقارب والطلاب والأيتام، بشوشا، يشهد له كل من تعامل معه بحسن الخلق، فما أسعده.

وبعد حياة أمضاها في تعليم الناس وإرشادهم لما فيه النفع لهم في الدنيا والآخرة، توفي ظهر يوم الأربعاء 18 رمضان 1427، ودفن بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء.

جدد الله على قبره الرحمات ورفع له في الجنة الدرجات.

---------------------

 (*)الترجمة بقلم الدكتور محمد عز الدين توفيق.

 


الاثنين، 2 أكتوبر 2023

الإمام محمد بن عبد الله الخُرْشي!


 الإمام الفقيه الرباني، الشيخ سيدي محمد بن عبد الله الخُرْشي المصري، يُعد من كبار أئمة المالكية، وهو أول مَن تولى مشيخة الأزهر.

ولد سنة 1010هـ، أخذ عن كبار العلماء، وأخذ عنه الكثير من الأعلام. 

ترك عدة مؤلفات، أشهرها شرحه الصغير للمختصر. وتوفي سنة 1101هـ.

ذَكر العلامة محمد الصغير الإفراني رحمه الله في ترجمة هذا الإمام في كتاب"صفوة من انتشر": ( أنه لما وُضع في قبره قال واضعه: بسم الله، فقال هو بلسان فصيح: توكلتُ على الله، سمع ذلك جميع من حضرَ ممن كان قريباً من القبر )! وهي واحدة من كراماته رضي الله عنه.

كانت لهذا الإمام مُراسلات مع السلطان المغربي المولى إسماعيل (ت 1139هـ)، وأرسل إليه هدية مِنْ مصر "شرحه لصغرى السنوسي"، وقد أجاب السلطان على رسالته برسالة أخرى طويلة، حلاه فيها بألقاب عالية تليق بمقامه ومكانته..

ومِنْ تعظيم المغاربة لهذا العالم الجليل وتقديرهم لعلمه الواسع، أنَّ شَرحه الصغير للمختصر طُبع بمدينة فاس على الحجر ما بين 1284هـ و1286هـ. وطبع نرة أخرى على نفقة السلطان المولى عبد العزيز العلوي بمصر سنة 1317هـ.

كما ترى مشايخ الحديث المغاربة في فهارسهم وأثباتهم، يَذكرون اتصال سندهم بهذا الإمام وبمؤلفاته، وترجموا له ـ أيضاًـ في كتبهم، ولهم عدة حواش على شرحه للمختصر..

وفي ترجمة العلامة محمد الصغير الإفراني له نراه يقول: ( اشتهر على الألسنة بالخِرْشي بكسر الخاء نسبة إلى خِرشة بكسر الخاء قرية من اعمال القاهرة )، وكذا قال الإمام الحُضيكي في "طبقاته".

والذي رأيتُه على أغلفة بعض طبعات كتابه في شرح المختصر: (الخُرشي) بضم الخاء. 

وسمعتُ الشيخ الدكتور احمد طه الريان المالكي الأزهري المصري على اليوتوب في درس له ينطقه هكذا: (الخُرَشي أو الخُراشي)، بالضم.

وقال العلامة محمد الصغير الافراني أنَّ وفاته كانت سنة 1102هـ، وكذا قال الإمام الحضيكي، والمؤرخ محمد بن الطيب القادري في "التقاط الدرر".

والصحيح أن وفاته كانت في سنة 1101هـ كما ذكره تلميذه محمد الجمالي المغربي في تعريفه به الذي نقله الامام علي الصعيدي العدوي في حاشيته على شرح المذكور. 

وكذلك حدد تاريخ وفاته بهذه السنة: عبد الله الشبراوي في "ثبته"، وقد أجازه الشيخ الخرشي بالصحيح وغيره. والجبرتي في "عجائب الاثار". ومحمد بن محمد مخلوف في "شجرة النور الزكية". وإسماعيل البغدادي في "هدية العارفين". وإدريس القيطوني "معجم المطبوعات المغربية". ومحيي الدين الطعمي في "النور الأبهر" وغيرهم.

رحم الله هذا الإمام وجَدد على مرقده الرحمات.



الجمعة، 16 ديسمبر 2022

العلامة أحمد بن المامون البلغيثي واجتماعه بالعلامة السيد أحمد البرزنجي!


 

وأنا أطالع اليوم في كتاب "مباحث في عقائد أهل السنة المسمى: المهند على المفند" للإمام المحدث خليل أحمد السهارنفوري (ت 1346هـ) ، جاء في (ص 125) بعد أن ذَكر ما كتبه العلامة السيد أحمد البرزنجي على هذا الكتاب، قال: (تصديقات العلماء على الرسالة المذكورة للبرزنجي)، فذكر اسم 21 عالما،

قال: [ 4- أحمد بن المأمون البلغيش (خادم العلم بالمسجد النبوي) ]. والصواب أنه: "أحمد بن المامون البلغيثي" وليس البلغيش، وهو العلامة القاضي الفقيه الأديب الفاسي المشهور، المتوفى بفاس سنة 1348هـ،
وقد كان رحمه الله حج في سنة 1328هـ، ذكر ذلك ولده عبد الملك في الترجمة التي وضعها له آخر الجزء الأول من كتاب "تشنيف السماع"، وقال أن والده كان ينوي أن يبقى هناك سنة كاملة حتى يحج العام القادم أيضا، لكن حددث ما دعاه للرجوع لبلاده
ورسالة العلامة البرزنجي كتبها أو أتمها يوم 2 ربيع الأول 1329هـ، فيكون العلامة أحمد بن المامون البلغيثي بقي هناك بعد الحج، وألقى دروسا في المسجد النبوي، ثم أطلعه العلامة البرزنجي على الرسالة التي كتبَها، فوافقه عليها..
وقد يكون قرأ عليه، أو أجيز منه، لكنني لم أر من ذكر أن من شيوخه العلامة البرزنجي.
وممن اجتمع بالعلامة أحمد بن المامون البلغيثي تلك السنة، وهو في سفره لأجل الحَج: العلامة شيخ بن محمد الحبشي باعلوي (ت 1348هـ)، ذَكر ذلك في كتابه المعنون: "الشاهد المقبول بالرحلة الى مصر والشام وإسطنبول" (ص 312) قال: (فلمحت عيني رجلا من المغاربة، فتوسّمت فيه العلم والولاية).
وقال أيضا في تصديقات العلماء على رسالة البرزنجي: [ 7- عبد الله القادر بن محمد بن سوده (خادم العلم بالحرم النبوي الشريف) ].
والمذكور هنا بدون شك هو: العلامة الفقيه القاضي عبد القادر بن محمد بن عبد القادر ابن الطالب ابن سودة الفاسي، المتوفى سنة 1389هـ،
فقد ذكر ولده العلامة المؤرخ عبد السلام ابن سودة في ترجمته في سل النصال (ص 205)، أنه حج سنة 1328هـ،
فيكون اجتمع هو أيضا بالعلامة البرزنجي، واطلع على ما كتبه في رسالته تلك، فوافقه على مضمونها..
وفي الغالب ألقى دروسا عدة بالمسجد النبوي حتى استحق أن ينعت بخادم العلم بالحرم النبوي الشريف.

السبت، 22 أغسطس 2020

الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي

 

من أحب العلماء إلى قلبي: الشيخ الشهير، الذائع الصيت، الدكتور الفقيه المفسر الخطيب الداعية الأديب يوسف القرضاوي، وكل عالم اسمه يوسف أحبه، مثل: يوسف بن عبد البر القرطبي، والحافظ المزي واسمه يوسف، ويوسف الفاسي، ويوسف المغربي والد الامام بدر الدين الدمشقي، ويوسف النبهاني، ويوسف الدجوي، ويوسف المرعشلي، وغيرهم..

طالعت العديد من كتبه، فأعجبني فكره، ومنهجه، وأسلوبه.. واستفدتُ منها ما كنت أجهله.

هو كاتب مكثر، لعل القلم لا يسقط من يده إلا لماما، له أزيد من 200 كتابا، طُبع العديد منها إلى عدة لغات: الانجليزية، الفرنسية، الألمانية، التركية، البوسنية، الكردية، والأندونيسية.. ويُدرَّس العديد منها في عدة جامعات عربية.. وكتبتْ عنها عدة دراسات..

كما كانت له مشاركة في عدة برامج إذاعية وفي القنوات الفضائية، واشتهر برنامج "الشريعة والحياة" الذي كانت تبثه "قناة الجزيرة"، فكان يتابعه عامة الناس وينتظرونه باهتمام..

وهو من الشخصيات الاسلامية التي لها تأثير كبير على فئة واسعة من المسلمين، وتتلمذ على فكره نخبة مهمة من علماء اليوم ورجال الدعوة والحركة الاسلامية..

وقد زار المغرب والتف الناس حوله وازدحموا ووجد عندهم كل الترحاب

له رواية عن مشايخ كبار من المسندين، وصنف الدكتور محمد أكرم الندوي له فهرسة عنونها: " كفاية الراوي عن العلامة الشيخ يوسف القرضاوي "، وترجمته هي الأخيرة في كتاب الدكتور أسامة الأزهري المُعنون: "أسانيد المصريين"، لذلك استجازه علماء كثر عرفوا قدره، بعضهم اليوم ممن يفتي بقتل من ينتمي لمدرسة الاخوان، ويَعدهم من الخوارج !

البعض إذا تغيرت رياح السياسة، غيروا الفتاوى !

نعم، لقد انتمى لهذه المدرسة الدعوية، وصار من قياداتها البارزين، ورُشح لمنصب مرشد الحركة..

لقد رأى الإمام المجدد الشهيد حسن البنا وسمع خطبته، فهنيئا له.

نال عدة جوائز عالمية، منها: جائزة الملك فيصل العالمية بالاشتراك مع سيد سابق في الدراسات الإسلامية لعام  1994م 1414 هـ، وجائزة دبي للقرآن الكريم فرع شخصية العام الإسلامية 1421 هـ.

قد لا توافقه في بعض ما أفتى به وبعض آرائه، وقد رجع عن فتاوى أفتى بها، لكن أين من لا يخطئ وكل كلامه صواب ؟

قرأت بعض المصنفات والمقالات في الرد عليه، خاصة ما كتبه أتباع التيار السلفي، فأحزنتني بعض العناوين، لأنها تدل على افتقار من كتبها الى الأدب والذوق والأخلاق..

الشيخ اليوم كبرت سنه، وضعفت قوته، لكن ذاكرته لاتزال قوية، وعلمه حاضر، وكلماته مؤثرة، وقلمه سيال، والقلوب ملتفة حوله، يُقبل على زيارته الأفاضل من أهل العلم والدعوة الذين يعرفون فضله من مختلف البلدان، فيفرحون باجتماعهم به.

حفظه الله وبارك في عمره.

 

 

 


الخميس، 23 مارس 2017

شيخ الجماعة العلامة سيدي محمد المكي البطاوري الرباطي رحمه الله



مِنْ علماء المغرب الذين أنْجبتهم مدينة الرباط عاصمة المغرب الأقصى: شيخ الجماعة، العلامة، الشاعر، الأديب، الخطيب، القاضي، الكريم الأخلاق، سيدي محمد المكي بن محمد بن علي البطاوري الشرشالي الحسني.
ولد هذا العلامة الجليل شهر ربيع الاول عام 1274هـ، من بيت عريق المجد، أصلهم من مدينة شرشال، فانتقل أسلافهم منها إلى مدينة الرباط.

قرأ القرآن الكريم  على والده، ثم انتقل إلى كتّاب الشيخ محمد بن احمد الرغاي، فأخذ عنه مبادئ الحساب وعدة متون..
أخذ العلم عن شيوخ الرباط، كالفقيه محمد بن عبد الرحمن التادلي، والقاضي أحمد بناني، والفقيه محمد بن إبراهيم بناني، والقاضي محمد بن عبد الرحمن البريبري، والقاضي أحمد ملين، والفقيه عمر عاشور، والفقيه التهامي بناني، والشيخ الهاشمي الزياني الضرير، ولازم كثيرا الامام إبراهيم التادلي وهو عمدته.
وأخذ عن غيرهم كالعلامة سيدي علي بن سليمان الدمناتي، وبالمدينة المنورة عن الشيخ عبد الجليل برادة، والشهاب الكسراوي..

مارس التدريس في مساجد وزوايا الرباط، ودرّس مختلف الكتب في أنواع العلوم، فاستفاد منه الكثير من أبناء العدوتين، ومن الآخذين عنه: القاضي المؤرخ سيدي عبد الحفيظ الفاسي، والعلامة العارف سيدي فتح الله البناني، والعلامة المحدث سيدي المدني بن الحسني، والشيخ المؤرخ سيدي عبد السلام ابن سودة، والشيخ الفقيه سيدي الغازي بن محمد سباطة، والعلامة العارف سيدي محمد الباقر الكتاني، والأديب المؤرخ سيدي محمد بوجندار، والعلامة الحافظ سيدي أحمد بن الصديق، وشقيقه العلامة المحدث سيدي عبد الله بن الصديق، وغيرهم من المشايخ والعلماء.

ترك عدة مؤلفات، منها: تعليق على ألفية السيرة للعراقي، تقييد في ختم الموطأ، الدروس الحديثية في المجالس الحفيظية، معراج الراقي لألفية العراقي، شافية الدجم على لامية العجم، تقييد مختصر بشرح منظومة البيقوني في علم الاثر، كتاب التنصيص على شواهد التلخيص في علوم البلاغة، شرح الأرجوزة الفائقة المستعذبة الرائقة فيما يحتاج الأتاي إليه ويتوقف شربه وإقامته عليه، وهذه المؤلفات كلها مطبوعة، وله غير ذلك.

وبعد حياة حافلة بالعطاء العلمي، توفي بمدينته الرباط شهر محرم سنة 1355هـ/1936م.
ترجم له العديد من العلماء في مؤلفاتهم التي يُعرّفون فيها بشيوخهم، وأفرده بالترجمة الشيخ العلامة سيدي عبد الله الجراري، والكل يُثني عليه ويُشيد بعلمه ويَرفع من شأنه ويشكر أخلاقه وآدابه وتواضعه وجميل سيرته..

وذَكر لي أحد الأفاضل أنه حين كان صغيرا رأى هذا الشيخ الجليل، وأراني بيته بالرباط، وهو ممن العلماء الذين أحبهم للطفه، وأريحيته، وجميل أخلاقه، ولما قيل فيه من الثناء العطر.. وقد رأيته يوما في المنام دَخل عليّ في غرفة كنتُ أتكئ فيها، وكان يلبس جلبابا أبيض ويضع على رأسه عمامة بيضاء، فقمتُ إجلالا له، فعانقني وعانقته، وقلتُ له ورأسي على كتفه أُعبر له عن حُبي له: "أَسِيدي المْكِّي، رَاكْ عْزِيزْ عْلِيا، أَسِيدي المِكِّي، راكْ عْزِيزْ عْلِيا".

فنسأل الله أن يجدد على قبره الرحمات، وأن يُعلي له الدرجات، وأن ينوّر مرقده، ويغفر له..

السبت، 11 يوليو 2015

الشيخ الدكتور سيدي محمد أبو بكر باذيب




في  شهر ماي سنة 2014م رأيتُ فيما يرى النائم أنني قصدتُ فندقا وأنا أحملُ في يدي قُفة مليئة بـ "مجلة العربي" أريد أن أهديها للشيخ الدكتور سيدي محمد أبو بكر باذيب، وحين دخلتُ الفندق رأيتُ الشيخ ينزل الأدراج وهو يحمل قفة مثلها ممتلئة هي أيضا بمجلة العربي كيْ يُهديها إليّ.
ما كنتُ أظنّ أنه سيأتي اليوم الذي ستتحقق فيه الرؤيا، فألتقي في بالشيخ وأجالسه وأكلمه مباشرة، لكنْ ذلك ما حصل صبيحة يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، وسبحان الله تعالى القائل: ( وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ).


فقد استدعت الطريقة البَصيرية العديد من رجال العلم والفكر والتصوف للحضور للمشاركة في الندوة العلمية التي عقدتها في مقر زاويتها ببني عياط بأزيلال، يومي الثلاثاء والأربعاء 18-19 شعبان 1435هـ، الموافق لـ 16-17 يونيو 2014م، وكان الشيخ الدكتور سيدي محمد باذيب ضمن العلماء الذين استُدعوا لكي يفيدوا بعلمهم، وكانت مداخلته تحت عنوان: "دور صوفية اليمن وحضرموت في تعزيز الأمن والاستقرار".


في صبيحة يوم الثلاثاء، وبينما أنا أنتظر في محطة الطاكسي ظهور إحداها كي أركبها تقربني إلى حيث الموعد مع الشيخ سيدي محمد باذيب، إذا بصديق من أيام الدراسة لم ألتقه مُنذ مدة طويلة كُنيتُه "جَمالي" يُلقي عليّ السلام والتحية، فتفاءلتُ به، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل بالأسماء الحسنة، وكان « يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع يا راشد، يا نجيح »، فقلتُ: "إنْ شاء الله يكون هذا اليوم من الأيام الجميلة".

وحين تأخرت الطاكسي ركبتُ الحافلة، وبينما هي تسير إذا بهاتفي النقال يرنّ، ففتحته أنظر ما الخبر ؟ فرأيتُ رسالة تظهر فيها صورة هدية كُُتب فوقها بالانجليزية كلمة وهي: "birthday"، فاستغربتُ كثيرا، فليس اليوم ذكرى مولدي ! ثم أغلقته وقد ازددتُ استبشارا، وحين بلغتُ الفندق، وبينما أنا أنتظر نزول الشيخ منْ غرفته؛ إذا بالهاتف يرن مرة أخرى، وإذا بنفس الرسالة تظهر من جديد، فقلتُ في نفسي: "نعَمْ، قد فهمتُ ما ترْمي إليه، إنّ يوم اللقاء بأهل العلم والفضل ليُعد منَ الأعياد"، ألمْ يقل العلامة الوزير سيدي محمد المختار السوسي رحمه الله تعالى:


        بُشرى قد انتظم الياقوت في الجيد  *   أليس يـوم اجتماع الشمل بالعيـد
        اليـوم  تـرقـص  بالأفـراح  أفئـدة  *   نشوى فترسل من شتى الأناشيد (1)

بالبشر استقبلني الشيخ، وبعد المصافحة والعناق، شاركته إفطاره، وأهداني ـ جزاه الله خيرا ـ بعض ما ألّفه مما كنتُ أتشوق كثيرا لحيازته وقراءته، وأهديته أنا بدوري رسائل صغيرة كنتُ أحملها في محفظتي، وأظن أنّ أفضل هدية تُقدمها لعالم هي الكتب، فإن لها في قلوب العلماء مكانة، وإليها يشتاقون . 
قال العلامة الأديب سيدي محمد المختار السوسي رحمه الله:

كتبي فلا عيش لي من دونها، أوَلمْ * تدْروا بأن ليس إلا الكتب ملتحدي
فالكتب سـؤلـي وأمالـي ومنتعـشـي * وأنْـس قلبـي ومنها وحـدها جلـدي
فحـبـهـا     خامـرت     بـشاشـتـه * ما كان بيـن شراييني وفي غـددي
   بها مزاجـي وتمييـزي، فإن ذهبـتْ * تـذهـب بتمييـز ما بالـيـوم أو بغـد (2)

ومنْ سعادتي أنه دعاني لمُرافقته لزيارة الشيخ الجليل العلامة سيدي إدريس بن الإمام محمد بن جعفر الكتاني، فتبركتُ بتقبيل يد ورأس الشيخ سيدي إدريس، ومتعتُ ناظري بمشاهدة مُحياه الكريم، فإنه حقا لمن بركات مدينة الرباط عاصمة المغرب الأقصى.

ثم قصدنا جنة العلماء، ألا وهي المكتبات، حيث يسترخصون إنفاق الأموال المحبوبة بسخاء كبير، وفي مكتبة "الألفية الثالثة" التقينا بصاحب الابتسامة الصافية، الشيخ الخطيب الداعية، سيدي الحسن بن علي الكتاني، فازداد اللقاء صفاءا وبركة، ثم رافقتُهما إلى "مكتبة دار الأمان"، بعدها أضافنا الشيخ سيدي الحسن الكتاني على شرب العصير، وكان برفقتنا أحد أشقائه الكرام، فازداد اللقاء حلاوة، بعدها حملنا بسيارته إلى الفندق، ومنه إلى حيث تنتظر الشيخ سيدي محمد باذيب حافلة صغيرة للمسافرين "mini bus" تحمله إلى قبيلة بني عياط حيث الندوة الدولية.

هي ساعات قليلة أمضيتها مع الشيخ الدكتور سيدي محمد باذيب، لكن البركة فيها كانت كبيرة، وقد مَرّ على اللقاء به أسبوع كامل، ولازِلتُ لليوم أتذوق طعم حلاوة ذاك اللقاء.

فيا أهْل اليمَن، إنّ لديكم من أهل العلم سادة كرام أفاضل أخيار، إنْ لم تعرفوا لهم قدرهم وفضلهم فإن في بلاد المغرب الأقصى من يعرف لهم مكانتهم، ويفرح بلقائهم، ويتمتع بإمضاء الساعات معهم، ويعدها من المغانم الغالية، بل يرى يوم اللقاء بهم يوم عيد، منهم الشيخ الحبيب الدكتور المحقق سيدي محمد أبو بكر باذيب.
----------------------------
1) "معتقل الصحراء" (1/ 81).
2) "معتقل الصحراء" (1/ 38)

السبت، 28 مارس 2015

الذكرى الثالثة لوفاة الشيخ العلامة سيدي مصطفى النجار رحمه الله



في مثل هذا اليوم من سنة 2012م، شيَّعَ رجال الفكر والثقافة والسياسة والتصوف والأدب، وجمهور غفير من المسلمين قدموا من مدن بعيدة، الشيخ الفقيه العلامة سيدي مصطفى النجار إلى مَثواه الأخِير، وقد كان مُصاب أهل سلا به كبيرا، فقد فقدوا رجلا يَحقّ لهم الفخر بمثله والاعتزاز بكونه مِن مدينتهم، لسِعة علمه، وحُسن سيرته، وجمال أخلاقه، وكمال أدبه، واشتغاله بتعليم الناس أمر دينهم لسنوات طويلة من حياته.

سيفتقدون فيه ذلك العالم الهادئ المتواضع، الليّن الصبور، الذي لا تُمل مُجالسته، والذي يَستشعرون بالقرب منه معاني الأخوة والصحبة الإيمانية، فكانوا يقصدون بابه لحل مشاكلهم وليجدوا عنده جواب أسئلتهم المُحيّرة. 

سيفتقدون فيه نموذج العلماء الأجلة، الذين تشَرّبوا محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يُنشد مع المنشدين قصائد المديح النبوي، وإذا ذُُكر عليه الصلاة والسلام تقطر الدمعاتُ مِن عينيه. 

كما كان مُحبا للغة القرآن، وكمْ له من القصائد في مختلف المواضيع الشعرية والأدبية، ألقاها في مناسبات متنوعة، أو نُشرت له في المجلات الإسلامية، ومما كان ينشده يدعو لإتقان لغتنا العربية:

    حِفظُ اللغات علينا    فرضٌ كفرض الصّلاة
    فليـس يُضبط دينٌ    إلا   بحـفـظ   اللغــات

سيفتقده منزله الذي كان يَذكُر فيه أوْراده، ويقرأ فيه كتاب ربّه، ويصلي فيه بالليل ركعات تطوعا ونافلة.

ستفتقده الزاوية التهامية التي كان يسرد فيها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الموسم. وستفتقده الزاوية الحسونية التي كان يسرد فيها المولد الشريف، كما كان ينظم فيها مسابقة في تجويد القرآن الكريم. وستفتقده الزاوية التجانية التي كان يصلي فيها ويُلقي فيها دروسه.

وسيفتقده كرسي العلماء والوعاظ بالمسجد الأعظم الذي درس فيه العقيدة والفقه والحديث و"مختصر" الشيخ خليل، وسيفتقده مسجد رضا، ومسجد للاالشهباء الذي ختم فيه تدريس "مختصر الدر الثمين" لميارة، ومسجد الولي الصالح سيدي مرزوق، ومسجد الرضى.

وسيفتقده من مساجد الرباط: مسجد مولاي سليمان، ومسجد الشهداء الذي كان يخطب فيه خطبة الجمعة ويلقي فيه دروسه، ومسجد مولين، وغيرها من مساجد وزوايا العدوتين التي دلّ وأرشد فيها لما فيه النفع في الآخرة. 

ستحن إليه ثانوية النهضة التي درّس فيها وتلاميذها الذين تخرجوا منها. 

سيفتقده طلاب العلم الذين كانوا يقصدون بيته المفتوح دائما لهم، فمن أينَ لهم بمِثل نكاته العلمية وملاحظاته الدقيقة وتوجيهاته السديدة ؟ 

سيفتقدون فيه نموذج العالم المُحترم الذي كان يُعَظم شيوخه ويَذكرهم بكل أدب وتعظيم وإجلال. 

كما سيفتقدُ الناس فيه نموذج الوطني الغيور، والمجاهد المُخلص، الذي يهتم لأمرهم ويَبث في قلوبهم حب البلاد وروح الوطنية.

لقد كان يهيم بمحبة العلم، وكان يدعو الله تعالى ـ كما سمعتُ تلميذه الشيخ الأستاذ سيدي عبد السلام الطاهري ينقلُ عنه ـ :« اللهم أحْيِني في قبري كَيْ أقرأ العلم وأتدارسه مع شيوخي الذين سبقوني وتلامذتي»، وقد أخذه عنْ كبار العلماء، كالشيخ أحمد بن عبد النبي السلاوي، والشيخ محمد المدني بن الحسني، والشيخ محمد بن الطيب الصبيحي، والشيخ عبد الرحمن بن محمد الباقر الكتاني، والشيخ محمد بن أبي بكر التطواني وغيرهم.

وقد سار في هذا الدّرب إلى أن صار رئيسا للمجلس العلمي لسلا سنة 2004م. 

ومن المؤلفات النافعة التي حققها، فأخرجها من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات، كتاب: "السلسل العذب" لمحمد بن أبي بكر الحضرمي، و"النوازل الفقهية" للعلامة أحمد بن الفقيه الجريري، و"المورث لمشكل المثلث" للعلامة عبد العزيز المغربي.

مزاياه رحمه الله تعالى عديدة، ومناقبه كثيرة، ومع أنه مَرّ على وفاته ثلاث سنوات؛ إلا أن ذِكْره لا يزال يُعطّر الأجواء، والثناء عليه لا يَنقضي. 

وقد أحسن الشيخ الأستاذ سيدي عبد السلام الطاهري حيث جمع في كتاب "مدينة سلا تودع العلامة مصطفى النجار" ما ذُكر في تأبينه من كلمات وقصائد، كما ألف بمشاركة الأستاذ محمد بن عزوز كتابا عن الفقيد عنوانه:"العلامة مصطفى النجار من أعلام الثقافة والفكر بمدينة سلا"، فأحسنا وأدّيا بعض الحق الذي للشيخ على طلابه خاصّة وعلى أهل العلم عامة.

ولد الشيخ مصطفى النجار بسلا سنة 1931م، وتوفي عليه الرحمة والرضوان بنفس المدينة يوم السبت 24 ربيع الثاني 1433هـ الموافق 17 مارس 2012م.


السبت، 24 يناير 2015

من سيرة الإمام محدث الشام العلامة سيدي بدر الدين الحسني رحمه الله




الرجل كان قمة في العلم، قمة في الأخلاق، زيّن الله به بلاد الشام، وفخِرت به عن غيرها من البلدان.
تجد في كتاب "محدث الشام العلامة السيد بدر الدين الحسني" لمؤلفه الشيخ المسند النسابة سيدي محمد بن عبد الله آل رشيد، الذي جمع فيه مقالات تلامذة هذا الإمام عنه بعد وفاته، وهي مقالات كلها تفيض محبة واعترافا بفضائله وشمائله ومزاياه، وفيه أيضا كلمات وقصائد في مدحه، وأخرى في رثائه ترى فيها تأوهات على فقده وحزن وأنين، وعلى فقد مِثله يحق البكاء.

استوقفتني في سيرته العديد من الصور، منها:

أنه كان يأمر بالحقّ، ويدعو لجهاد المستعمر الفرنسي ولم يكن منَ القاعدين.

وأنه كان يشفع للضعفاء لدى رجال السلطة، ويُشفق على المَسجونين، فيدخل السجون ليَعِظهم و يَدُلهم على الطريق الهادية والسبيل القويم.

وأنه ـ مع ما وصل إليه مِن عِلْمٍ وشُهرة ـ كان منْ كبار المتواضعين، فلم يكن يرى نفسه فوق أحدٍ منَ المسلمين، حتى العُصاة مِنهم كان يَراهم بعيْن التعظيم، ومِن أغرب حِكاياته، ما ذكره تلميذه الأستاذ المفكر الداعية محمد المبارك رحمه الله في مقالته عنه (ص 146)، قال:« من أغرب ما سمعتُ مِن تصرّفه وطرائق إصلاحه، حادثة عجيبة سمعتها ممّن وقعت له مع الشيخ رحمه الله، ذلك أنه استدعى أحد أصحابه وهو الذي حدثني بالقصة، وكان شيخا في نحو الستين من عمره، ذا لحية كبيرة، وعمامة من هذه العمائم التي يتخذها عامة الناس من أهل الشام من التجار وأهل الحِرف، ثم قال له: تذهب إلى محَل البِغاء، وتسألُ عن الكبيرة التي تدير شؤون البغايا، وتعطيها هذه الدنانير الذهبية العشرة، وتقول لها: إن الشيخ يطلب منكِ أن تأمري مَن عندكِ مِن البنات أن يغتسلن، ثم تعطي كل واحدةٍ منهن دينارا ذهبيا، وتطلبي إليها أن تدعو للشيخ. فحارَ الرجل في أمره كيف يذهب بهيئته هذه إلى مثل هذا المحل، ثم لم يجد مَناصا بعد أن أمره الشيخ مِنْ تنفيذ ما أمره به. 

قال لي: وقد نفذتُ ما قال لي، ولم أخرجْ حتى سمعتُ بكاءهن ونحيبهنّ، ولاشك أن أكثرهن وربما كلهنّ قد تُبنَ ممّا كنّ فيه وغيّرن حياتهن وعُدنَ إلى الحياة الشريفة المستقيمة» انتهت الحكاية.

ذكّرتني هاته الحكاية بما كنتُ قرأته ـ إن لم تخني الذاكرة ـ في "الطبقات الكبرى" للإمام الشعراني، في ترجمة بعض الأولياء، أنه كان يمضي إلى دور البغايا اللواتي هرمن وكبرن في السّن، ولم يُعد يأبه بهن ولهن أحد، فيعتني بتمريض مَن كانت منهن مريضة، ويساعد على تحسين حالتهن المعيشية.. وكنتُ حينها استغربتُ هذا الخلق العجيب، الذي زاد مِن تقديري للسادة الصوفية ومنْ مَحبتي لهم.

فما أعظم تلك القلوب اللطيفة الشفيقة التي امتلأتْ رحمة وعطفا على الخَلق: العُصاة منهم والطائع، وصلى الله وسلم على سيد الخلق وشفيع الأنام يوم الزحام الذي بعث رحمة للعالمين والقائل:« الراحمون يرحمهُم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ».

ولم تكن شفقة الشيخ على المسلمين فقط، بل شملت عطفته أيضا غيرهم من أهل الملل الأخرى.

يذكر الأستاذ محمد المبارك في نفس المقال (ص 141)، قال رحمه الله:« كان الشيخ يتفقد أحيانا بعض أصدقائه ومعارفه القدامى ممن لا يَعرف الناس صلته بهم، أو بعض أرحامه، وأكثر ما يزور من الناس البُسطاء، وقد يزور غيرهم. كما كان يتفقد بزياراته بعض أهل الملل الأخرى، وقد اشتهرتْ زيارته لحيّ النصارى في أيام الثورة، في وقتٍ شاعتْ فيه شائعة خبيثة روّجها دُعاة السّوء وأبواق الفرنسيين، وهي أن الثوار يريدون الاعتداء على الحيّ، فكان لزيارته معنى رائع عظيم، وهو التضامن بين المسلمين والمسيحيين في محاربة الفرنسيين المستعمرين ».

فلا يستغرب المرء حينما يقرأ في تراجم بعض الصالحين وبعض العلماء الحلماء العاملين، أنه حضر جنازتهم إضافة إلى المسلمين: اليهود والنصارى، فإن الرّحماء تُحبهم جميع القلوب.

وعلى قدر الرحمة في القلب، تكون الشجاعة. 



فرحمة الله على الإمام بدر الدين الحسني، العالم، الرباني، العاقل، الشفيق، الشجاع، زينة بلاد الشام.

الاثنين، 6 أكتوبر 2014

"محدث الشام العلامة السيد بدر الدين الحسني بأقلام تلامذته وعارفيه"





كان ـ من غير شك ـ من كبار أولياء الله تعالى الذين يعمرون أوقاتهم بالطاعة والذِّكر ودوام الحضور، فلم يكن للشيطان في مجالسه نصيب، وقد بايعه الشيخ المفتي سيدي محمد العربي العزوزي على الولاية لرؤيا رآها، وليته لنا حكاها ورواها، قال:« .. فناولني يده للمبايعة، ومكنني مِن تقبيلها، ولا أعلم أنه مكّن أحدا مِنْ تقبيل يده رحمه الله ».



نعَمْ، إن تقبيل يدِ مثله لشرف عظيم يُفتخَر به ويُسطَّر بمداد الاعتزاز في الكتبْ، فإنه ـ نَوّر الله مَرْقده ـ لمن نفحات الدهر العزيزة، تعْلمُ ذلك وتتيقنه حين تقرأ ما وصفه به الناعتون الذين خالطوه وعرفوه منَ الأوصاف السامية، وما أطلقوه عليه من الألقاب العالية. 

فمِن قائل إنه:« أستاذ الجميع »، ومِن مُخبر أنه:« قطب الزمان ومجدّد الأوان »، وأنه:« لم يُوجد له نظير منذ خمسمائة سنة »، وقد كان ـ حسب قول الشيخ عبد الحي الكتاني ـ:« أمّة وحده، كالبحر الطام الغطمطم الذي لا قعر له »، وكان كما قال الشيخ محمد علي ظبيان:« العلامة الأكبر، خاتمة المحدثين، ونابغة العصر»، وهو عند مفتي الديار المصرية الشيخ بخيت المطيعي:« بقية السلف الصالح » الذي « كان اسمه بدراً سطع في سماء الشرق، فاهتدى به الناس جميعا »، وهذا بعض وصفهم، لا كله.



لقد كان هذا السيد الجليل منارة يقصدها من يُحب أن ينظر بأم عينه كيف تتشكل الفضائل وتتجلى وتسطع في شخص فرد واحد، وإنك لترى كل من لقيه يعدّ يوم لقاءه به من غرر الأيام التي مرت عليه طوال عمره، وقد يحكي لك ما جرى له معه، وما دار بينهما، وما شاهده منه، بتفصيل دقيق يتذكره كأنه حصل ليلة البارحة، وما ذلك إلا لأنهم كانوا يعلمون قيمة المنظور إليه، وأن لحظات مجالستهم له لا تُقدّر بمال. 


وكما اشتهر بالتبحر في العلوم، اشتهر أيضا بالورع، والتواضع، بل كان كلمة إجماع في كمال أخلاقه وحُسن فعاله، وـ يا للعجب ـ لم تُسجل عليه مع كثرة مَجالِسه ومخالطته للناس ـ فترة حياته ـ ولو هفوة واحدة ! ولولا أننا قرأنا ما حكاه العلامة القاضي محمد علي ظبيان في مقالته عنه، عن بعض العلماء، أن الشيخ بدر الدين رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الطلب تفلَ في فمه، لتوقفنا في التصديق فيما رواه لنا الرواة عنه، إذ لم نقرأ مثله إلا عند أئمة التابعين، لكن ليس ببعيد أن يكون الخبر صِدقا والنبأ صحيحا إذا المخبََر عنه رأى مثل هذه الرؤيا العظيمة المباركة.

لقد عظّم الله قدْره في القلوب، فهابته، وأحبته، وأقبلتْ عليه، وانجذبت منقادة ـ بسلاسة ـ إليه، ليس فقط من بلاد الشام، بل من جميع أقطار بلاد الإسلام، وقد نظرتُ في المغاربة الذين حضروا دروسه أو أجيزوا منه فأحصيتُ عددا منهم، وهاك أسمائهم :
أبي شعيب الدكالي (تدبج معه)، احمد التبر بن أبي بكر الفاسي، احمد بن الصديق الغماري، عبد الله بن الصديق الغماري، عبد العزيز بن الصديق الغماري، احمد بن المامون البلغيثي، احمد بن محمد الزبدي الرباطي، احمد بن محمد العمراني، احمد سكيرج، جمال بن احمد الهواري المغربي، العابد بن عبد الله الفاسي، العباس بن ابراهيم، عبد الحفيظ الفاسي، عبد الرحمن الدكالي، عبد الرحمن بن زيدان، علي بن محمد عواد السلوي، الغازي بن محمد سباطة، محمد الطيب بن محمد المراكشي، عثمان جُورْيُو، محمد بن جعفر الكتاني الذي قال: استجزناه لنا ولأولادنا، محمد المكي الكتاني، محمد الناصر الكتاني (ت 1974)، محمد المنتصر بالله الكتاني، محمد الطيب بن محمد المهدي الكتاني، عبد الرحمن بن عبد الحي الكتاني، محمد الفقيه ابن عائشة الحداوي، محمد بن أبي بكر القادري،  الحاج أحمد معينينو السلوي، عبد الله ابن محمد بن عبد السلام ابن سودة (1)، محمد بن احمد بن عبد الله، محمد بن ادريس القادري الفاسي الجديدي، محمد بن اليمني الناصري،  وحضر الشيخ عبد الحي الكتاني درسه بالجامع الأموي، ولم يستجزه، كما حضر الشيخ العارف فتح الله البناني مجلس درسه لصحيح البخاري وأثنى عليه، والشيخ محمد الحبيب الفيلالي.
هذا ما عثرت عليه مِمّا لدي من مراجع قليلة. أما من أخذ عنه من غير أبناء بلاد المغرب الأقصى فلا يعد ولا يُحصى.

كان آخر ما أقرأهُ من الكتب ـ حسب قول الشيخ عبد الرحمن بن أبي شعيب الدكالي ـ كتاب "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، ثم انتقل إلى ديار الآخرة، والكل يرجو لو طال به العمر ومُدّ في أجله.

ليس يغيبُ عني اسم "بدر الدين الحسني المغربي"، فإن اسمه مما تُصادفه في كثير من أثبات وفهارس المتأخرين، لكن الكتاب المعنون بـ: "محدث الشام العلامة السيد بدر الدين الحسني بأقلام تلامذته وعارفيه"، والذي اعتني بجمعه وترتيبه ـ جزاه الله خيرا ـ الشيخ العلامة النسابة سيدي محمد بن عبد الله آل رشيد، يُعد أكبرَ ما قرأتُ عنه، وهو يضم مقالات تلامذة هذا الإمام الرباني الهمام التي كتبوها عنه، فنشرت في الجرائد أو المجلات، كما فيه قصائد لهم نظموها في مدحه ورثائه مما جادت به قرائحهم الأدبية ومما فاضت به قلوبهم الممتلئة حبا له، وغير ذلك من الفوائد، فمنْ يُطالعه يزداد تعظيما لهذا العالم الجليل ومحبة له، وإننا لنتقرب إلى الله تعالى بمحبة الصالحين والعلماء العاملين، ونجعلها من أفضل أعمالنا التي نرجو بها النجاة يوم العرض على رب العالمين.

كما إنه ليُشرّفنا كمغاربة أن يكون الشيخ بدر الدين الحسني أصله منَ المغرب، وأنّ والده العالم المسند من مراكش، وإن كنا نعجب كيف فات الشيخ القاضي العباس بن ابراهيم تقييد اسمه ضمن من ترجم لهم في "الإعلام"، مع أنه لقي ولده الشيخ بدر الدين وأخذ عنه، فهو يدري أصله الذي يشتهر به !
ولا أدري هل استدرك اسمه الأستاذ أحمد متفكر في مستدركه عليه أم لا ! 

لقد استقر في دمشق غير واحد من العلماء المغاربة منهم: شيخ الإسلام الإمام سيدي محمد بن جعفر الكتاني الذي هاجر إليها بأسرته، ومنهم الشيخ العلامة سيدي يوسف بن بدر الدين الحسني المراكشي وغيرهما، ووجدوا فيها راحتهم، ولقوا من أهلها كل خير، فطبيعتها خلابة، وأناسها أهل فضل، والبركة تسري في أرجائها، فنسأل الله ـ بهذه المناسبة ـ لأهل تلك البلاد الفرج والخروج من كل ضيق، والنصر على الطغاة الظالمين الذين استعلوا بغير حق وأضروا بالمسلمين، في أقرب الآجال، آمين آمين آمين.
---------------
(1) القاضي عبد الله ابن سودة، توفي رحمه الله سنة 1392هـ. ترجمته في "قبيلة زعير قديما وحديثا" (2/290).