الأربعاء، 1 ديسمبر 2021

كتاب هداية أهل الخصيصة للإمام الشهيد سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني رحمه الله تعالى


 

أتممتُ اليوم قراءة هذا الكتاب، أهداه لي الشيخ الدكتور المحقق سيدي حمزة بن علي الكتاني جزاه الله خيرا، ألَّفهُ الإمام الرباني الشيخ سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني، وهو أحد كبار وأشهر رجالات العلم والتصوف ببلاد المغرب الأقصى في القرن المنصرم، وأحد الذين ذاع واشتهر اسمهم في المغرب والمشرق،

ولد سنة 1290هـ، وتوفي في مثل هذا الشهر من سنة 1327هـ/1909م، أي أن عمره حين توفي لم يتجاوز السابعة والثلاثين  !

قتله السلطان عبد الحفيظ، عَذبه بالسياط بقصر أبي الخصيصات إلى فارقت الروح الطاهرة الجسد، فاستشهد وارتقى لمقام عظيم.

لقد كان رحمه الله من العلماء الذين لا يقبلون الصمت والتفرج على الأحداث دون أن يقوموا بأي حركة أو اعتراض أو ينبهوا الحاكم إلى طريق الصواب، وذلك لا يستطيعه كل أحد.

ولحد الآن لا يُعرف مكان قبره  !

لقد أخفاه رجال السلطة حينما دفنوه  !

لكن، هاهي مؤلفاته تُنشر وتوَزع بالمشرق والمغرب، ولا تكاد تخلو مكتبة من كتاب من تأليفه، فمَن لم يكن سَمع باسمه فسيعرفه اليوم، ومن لم يعرف حكايته سيتعرف عليها الآن.

لقد نزل خبر موته حينها على المغاربة كالصاعقة، وبلغ مختلف المدن والأقطار..

قال ولده العلامة سيدي محمد الباقر الكتاني: ( لما بلغ خبر استشهاد المترجَم إلى الحجاز، اجتمع بالحرم المكي المقدس جمهور غفير من المسلمين على اختلاف ألسنتهم ومذاهبهم، وختموا القرآن الكريم عدة مرات، وأهدوا ثوابها لروحانيته الطاهرة )، كما صلوا عليه هناك في يوم الجمعة صلاة الغائب.. هكذا صنع المشارقة حين وصلهم الخبر،

ولاشك أن حُزن المغاربة كان عليه أكثر، وأثر موته عليهم كان أكبر..

وقد حصل بعد أن عَري السلطان عبد الحفيظ ـ الذي أمر بتعذيبه ـ مِن لباس الحُكم، وصار المولى يوسف مكانه، أنْ سعى للاجتماع في طنجة بالعارف الرباني الشيخ سيدي محمد بن الصديق الغماري، أوصاه بذلك الإمام سيدي محمد بن جعفر الكتاني، لكن السلطان ما وَجد إلا الصَّدّ ! فلم يَستقبله الشيخ ولا نزل عنده ولا فتح له باب بيته !! كل ذلك بسبب هذه الجريمة الفظيعة التي ارتكبها في حق هذا الإمام.

وإذا رأيتَ كيف يُستقبل اليوم مَن كانوا وُزراء وسُفراء في المنتديات واللقاءات والندوات.. بكل احترام وتقدير وإكبار.. علمتَ أن ما صنعه هذا الشيخ الجليل عليه الرحمة والرضوان مع هذا السلطان الذي كان يمتد حكمه إلى موريطانيا ومناطق شاسعة من الجزائر، لهو شيء غريب وعجيب  !

ومع أن الإمام الشهيد سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني لم يبلغ سن الأربعين، فقد خلّف ما يقارب ثلاثمائة كتاب ! وترك زوايا بمختلف مدن المغرب يُذكر فيها الله تعالى ويُقرأ فيها العلم..

وكان له مئات الآلاف من التلاميذ والمريدين بالمغرب والمشرق، بل قيل ان عدد مريديه بلغوا المليون !

ومَن اطلع على بعض رسائله التي طُبعتْ، علم أنَّ الرجل من شموس العلم والتقوى في ذلك الزمان.

وكانت له كرامات كثيرة، رآها الكثير من الناس، وسُجلت في الأذهان والدفاتر، هي دليل على صلاحه وصدقه وتقواه، ونتيجة حُسن اعتقاده واجتهاده في الذكر والدعوة والعبادة..

حدثني الشيخ الزاهد سيدي لَحْسن الدويلي رحمه الله تعالى بمنزله بالرباط، أنه حين زار مدينة الجديدة أول مرة، وكان ذلك منذ عقود، حدثه بعض أبناء الطريقة الكتانية، أنهم حين زارهم الشيخ سيدي عبد الحي الكتاني بعد وفاة هذا الإمام، سألوه أن يُريهم كرامة ! وذكروا له أنهم رأوا من شقيقه الأكبر شيخ الطريقة كرامات كثيرة، فأراهم هو أيضا البرهان..

الحق أنني أحب هذا الامام الشهم الهمام، وحين قرأتُ رسائله المطبوعة ـ وهي أول ما قرأت له ـ تعجبت مما فيها، وصار عندي معظما، ما دعاني إلى اقتناء العديد من مؤلفاته بعد ذلك، وسعدت أنها في مكتبتي..

وكتابه هذا لم يكتبه في بيته بين أهله وأولاده، بل كتبه في السفر  !

حتى وهو في السفر كان يشتغل بالتصنيف ! لم يكن يُضيع وقته  !

قال (ص 288): ( هكذا ظهر لي حالة الكتابة هاهنا في صحبة أهل الله، وكتبته ونحن في سفر). وقال (ص 112): ( هذا التأليف كله كتبناه ونحن في ضيافة السلطان عبد العزيز ابن السلطان حسن في سفر وزيره أبي العباس من آل موسى )، وقال (ص 362): ( ولم يحضرني لأنا في سفر الآن مع السلطان عبد العزيز ).

مواضيعه متنوعة، لخّصها الدكتور سيدي حمزة الكتاني في تقديمه له.

وفوائده كثيرة، وقد لخص لنا محققه الدكتور سيدي محمد إلياس المراكشي (في الصفحات: 45-47) مختلف القضايا الواردة في الكتاب: الفقيهة، والأصولية، والسلوكية الأخلاقية.

وقد استمتعتُ بحديثه عن حكم لبس الحرير، فقد أتى بنقول كثيرة في الموضوع، من الأحاديث النبوية، وأقوال أئمة المالكية، كالباجي وابن يونس، وابن رشد الذي يقول عنه (ص 170): ( ما أوسع دائرة حفظ الحافظ ابن رشد )، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن الحاج، وابن غازي، والرهوني وغيرهم، وتتبع ما نَقلَه عنهم يحتاج لصبر..

وهو إذا حَدثك عن الروحانيات ومقامات القلوب فليس هو فيها بناقل، بل هو ممن ذاق وغاص وعَرف..

يقول (ص 296) بعد كلام: ( وقد ذقت هذا المقام ولله المنة ). ويقول (ص 91): ( علومنا بحسب ما نُلهم، لا لنا من أمرها شيء ).

ومما قاله في هذا الكتاب وسجلته عند قراءتي له:

(ص 94): ( إنْ كان سيدنا آدم مُعلِّم الملائكة، فهو صلى الله عليه وسلم معلم الجميع ).

(ص 94): ( مقامات الأنبياء لا ذوق لنا فيها ).

(ص 333): ( عادات العارفين عبادات، فما بالك بعبادتهم ).

(ص 333): ( نفس واحد من مخلص، أحسن من حركات كثيرة من مُراءأو مُعجَب بنفسه أو متكبر).  

(ص 340): ( تخليل العادات بالعبادات هو دأب الصالحين ).

رحم الله هذا الإمام ورضي عنه وعن كل علماء الإسلام.

 

الاثنين، 25 أكتوبر 2021

يا ابني... للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله


 

اشتريتُ هذا الصباح هذه الرسالة اللطيفة، لمؤلفها العلامة الأديب الفقيه القاضي الداعية سيدي علي الطنطاوي عليه رحمة المولى الباري، وهي ثاني رسالة أقرأها له وأنا بمدينة مراكش، دفعني لشرائها أنني أحببت الأولى، ومررتُ بجانب المكتبة التي كنت اشتريتها منها، فقلت أدخل ألقي نظرة، فما خرجتُ منها إلا والرسالة في يدي، ونعم الغنيمة هي.

والشيخ علي الطنطاوي السوري رجل مشهور، محبوب، له مؤلفات عديدة قيمة مفيدة، مطبوعة منتشرة، أخذ عنه الكثير من الأعلام، وعانى من نظام البعث السوري الذي دمر سوريا وشرد أهلها.. وكانت وفاته سنة 1999م بإحدى مستشفيات جدة بالسعودية، ودفن بمكة.

وهذه الرسالة المعنونة "يا ابني"، لقيت القبول، وطُبعت في عدة بلدان، وتُرجمت إلى الانجليزية والأوردية، وانشترت انتشارا كبيرا..

وهو هنا لا يقصد بها ولده من صلبه، بل هي موجهة لأحد الشباب الذين راسلوه، يَحكي له بالصريح لا المرموز، عن معاناته مع الشهوة التي تفجرت فيه حين بلغ سن الخامسة عشرة أو ست عشرة سنة، ولعل هذا الشاب لمْ يراسله إلا بعد أن قرأ له، وعلم أن الرجل حكيم، يحسن الإنصات، وستكون توجيهاته مفيدة صائبة فيها علاج ما يعنايه ودواء ما أصابه..

فكان أول ما أجابه به الشيخ: ( لِماذا تَكتب إليَّ على تردد واستحياء ؟ أتحسب أنك أنت وحدك الذي يحسُّ هذه الوِقدة في أعصابه مِن ضَرم الشهوة، وأنك وَحدكَ الذي اختُصَّ بها دون الناس ؟ لا يا بُني، هوِّنْ عليك، فليس الذي تشكو داءك وحدك، ولكنه داء الشباب ).

لاشك أن هذا الشاب حين قرأ هذه الكلمات التي افتتح بها الشيخ علي الطنطاوي جوابه، غمرته الفرحة، وشعر براحة كبيرة، وذهب عنه كل التوتر، وأقبل على قراءة ما بعدها وهو مطمئن البال غير خائف ولا وجل..

ولاشك أنه ما التجأ لمراسلة الشيخ الطنطاوي إلا لأنه لا يقدر على مُصارحة والده، فإما أن يكون والده قد توفي، أو أن فيه غلظة إذا حدثه في الموضوع سينتهره أو يسبه وينعته بقلة الحياء، أو على الأقل سيشيح بوجهه عنه، أو أن والده لا يُحاور أبناءه ويجعل بينه وبينهم حواجز تمنعهم من محادثته في مثل هذه المواضيع..

فمِن سعادته أنه وجد مثل هذا العالم العاقل النابغة الحكيم، يُنصت إليه باهتمام، ويقتطع من وقته الثمين الغالي ليجيبه على تساؤلاته، ومِن خلاله يوجه جوابه لكل شباب الأمة، فهذه المعاناة يتشاركونها كلهم.

قال له: ( إنَّهُ ما أشرف على مثل سنك أحد إلا وتوقّد في نفسه شيء كان خامدا، فأحس حرّه في أعصابه، وتبدلت في عينيه الدنيا غير الدنيا، والناس غير الناس، فلم يعد يرى المرأة على حقيقتها إنسانا من لحم ودم، له ما للإنسان من المزايا وفيه ما فيه من العيوب، ولكنْ أمَلا فيه تجتمع الآمال، وأمنيّة فيها تلتقي الأماني...(

ثم يذكر له ما تدعوه إليه سنة الله وطبيعة النفس، ألا وهو الزواج، وما يدعوه إليه مجتمع اليوم، والشرور التي قد يقع فيها، ومصير من وقع فيها، ويضرب له الأمثال ليقرب إليه المعنى، ويحبب إليه طريق الطهر...

يقول له: ( الدواء أن نعود إلى سنة الله، وطبائع الأشياء التي طبعها عليها، إن الله ما حرم شيئا إلا أحل شيئا مكانه، حرّم المراباة وأحلَّ التجارة، وحرم الزنا وأحل الزواج، فالدواء هو الزواج، الزواج وحده طريق الاصلاح..).

إلى أن قال: ( فإذا لمْ يتَيسر لك طريق الزواج ولم تُرِد الفاحشة، فليس لك إلا التَّسَامي ... فالتّسامي هو أن تُنفّس عن نفسك بجُهد رُوحي، أو عقلي، أو قلبي، أو جَسدي، يستنفذ هذه القدرة المُدَّخرة، ويُخرج الطاقة المَحبوسة، بالالتجاء إلى الله، والاستغراق في العبادة، أو بالانقطاع إلى العمل والانغماس في البحث، أو بالتفرغ للفن والتعبير أو بالجهد الجسدي والإقبال على الرياضة، والعناية بالتربية البدنية أو بالبطولة الرياضية ... هذا هو الدواء: الزواج، وهو العلاج الكامل، فإنْ لم يكن فالتسَامي، وهو مُسكّن قوي، ينفع ولا يُؤذي ).

ثم يختم رسالته له بقوله: ( وبعد يا بُني، فلا تتردد في الكتابة إليّ إنْ لم يُرضك هذا الجواب، ولا تستحيي مما تجد من حرّ هذه الشهوة التي ركّبها الله في النفس، إنها علامة القوة والأيْد والشباب..).

رحم الله الشيخ علي الطنطاوي ورضي عنه، لقد كان من أطباء القلوب.

ولمثل هذا الرجل فليقرأ الإنسان، ليزداد علما وحكمة.

 


الأحد، 23 أغسطس 2020

الدور الأول والثاني في ذكر ما دار من الرسائل بين العلامتين سيدي أحمد سكيرج والشيخ عبد الحي الكتاني

 

الشيخ العلامة القاضي الأديب المؤرخ الصوفي الفقيه المسند سيدي أحمد سكيرج الأنصاري، من علماء المغرب الذين زينوا القرن المنصرم، ولد بفاس، وتخرج من القرويين، ثم تقلد القضاء بعدة مدن، وسافر لعدة دول: الجزائر، تونس، مصر، فرنسا، والحجاز، وألف مؤلفات عديدة في التصوف والتراجم والفقه والحديث..

كان أول كتاب أقرأه له هو: "كشف الحجاب عمن تلاقى مع الشيخ التجاني من الأصحاب"، فأعجبني، وإني أحب كتب التراجم، ثم قرأت له غير ذلك وانتفعت.

وقد وقفتُ على قبره وترحمت عليه..

وهو رجل لطيفة أخلاقه، شاعر أديب كثيرة قصائده، نظم الشفا للقاضي عياض، ونظم خصائص السيوطي، وقصائد في الرحلة، والمدح..

جميل الصورة، منور الوجه، ضحوك غير عابس، اجتمعت ببعض من لقيه، فذكر لي أن الشيخ كان يباسطه ويضاحكه..

وتَعْلم تواضعه بمطالعة كلماته التي يخاطب بها صديقه الشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني التي يفتتح بها رسائله إليه، مع أن الشيخ عبد الحي أصغر منه سنا بما يناهز عشر سنوات، وله فيه قصائد عديدة يمتدحه فيها، وقد عده في فهرسته "قدم الرسوخ" من مشايخه، وقال: ( لا أحتاج إلى التنويه بشأنه، وهو ممن ألقى السلاح كل فاضل بين يديه )، والشيخ عبد الحي يستحق التنويه والتفخيم.

الرسائل تُظهر المودة والمحبة التي كانت بين الرجلين، وتبين تعاونهما العلمي، وتحكي واقع التصوف في تلك المرحلة وما كان يعانيه شيوخه، وجهودهما في الرد على مناوئيه، وغير ذلك من الفوائد..

وفي الرسائل الخاصة التي يبعثها الأصدقاء لبعضهم البعض، قد يصرح الانسان بما لا يذكره في مؤلفاته وأمام الناس، فيبدي مثلا رأيه في أشخاص، فينعتهم بنعوت لا توافقه عليها، ولكن، ليس من الشرط كي تحب العالم أن يكون كاملا، وأن يكون بلغ النهاية في كل العلوم، وأن تتفق معه في كل شيء وكل آرائه !

جَمع هذه الرسائل الهائم بحب هذا العالم: الأستاذ الكاتب المحقق سيدي الراضي كنون، وقد نشر له العديد من المؤلفات، جزاه الله خيرا وزاده توفيقا.

وأهداه لي الدكتور الكاتب المحقق سيدي حمزة بن علي الكتاني أكرمه الله، فكانت أحسن هدية، وأتممت قراءته عند الأخوال بمدينة اكادير آخر شهر ذي القعدة.

توفي العلامة القاضي الأديب سيدي أحمد سكيرج رحمه الله بمدينة مراكش سنة 1363هـ/1944م.

 

السبت، 22 أغسطس 2020

الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي

 

من أحب العلماء إلى قلبي: الشيخ الشهير، الذائع الصيت، الدكتور الفقيه المفسر الخطيب الداعية الأديب يوسف القرضاوي، وكل عالم اسمه يوسف أحبه، مثل: يوسف بن عبد البر القرطبي، والحافظ المزي واسمه يوسف، ويوسف الفاسي، ويوسف المغربي والد الامام بدر الدين الدمشقي، ويوسف النبهاني، ويوسف الدجوي، ويوسف المرعشلي، وغيرهم..

طالعت العديد من كتبه، فأعجبني فكره، ومنهجه، وأسلوبه.. واستفدتُ منها ما كنت أجهله.

هو كاتب مكثر، لعل القلم لا يسقط من يده إلا لماما، له أزيد من 200 كتابا، طُبع العديد منها إلى عدة لغات: الانجليزية، الفرنسية، الألمانية، التركية، البوسنية، الكردية، والأندونيسية.. ويُدرَّس العديد منها في عدة جامعات عربية.. وكتبتْ عنها عدة دراسات..

كما كانت له مشاركة في عدة برامج إذاعية وفي القنوات الفضائية، واشتهر برنامج "الشريعة والحياة" الذي كانت تبثه "قناة الجزيرة"، فكان يتابعه عامة الناس وينتظرونه باهتمام..

وهو من الشخصيات الاسلامية التي لها تأثير كبير على فئة واسعة من المسلمين، وتتلمذ على فكره نخبة مهمة من علماء اليوم ورجال الدعوة والحركة الاسلامية..

وقد زار المغرب والتف الناس حوله وازدحموا ووجد عندهم كل الترحاب

له رواية عن مشايخ كبار من المسندين، وصنف الدكتور محمد أكرم الندوي له فهرسة عنونها: " كفاية الراوي عن العلامة الشيخ يوسف القرضاوي "، وترجمته هي الأخيرة في كتاب الدكتور أسامة الأزهري المُعنون: "أسانيد المصريين"، لذلك استجازه علماء كثر عرفوا قدره، بعضهم اليوم ممن يفتي بقتل من ينتمي لمدرسة الاخوان، ويَعدهم من الخوارج !

البعض إذا تغيرت رياح السياسة، غيروا الفتاوى !

نعم، لقد انتمى لهذه المدرسة الدعوية، وصار من قياداتها البارزين، ورُشح لمنصب مرشد الحركة..

لقد رأى الإمام المجدد الشهيد حسن البنا وسمع خطبته، فهنيئا له.

نال عدة جوائز عالمية، منها: جائزة الملك فيصل العالمية بالاشتراك مع سيد سابق في الدراسات الإسلامية لعام  1994م 1414 هـ، وجائزة دبي للقرآن الكريم فرع شخصية العام الإسلامية 1421 هـ.

قد لا توافقه في بعض ما أفتى به وبعض آرائه، وقد رجع عن فتاوى أفتى بها، لكن أين من لا يخطئ وكل كلامه صواب ؟

قرأت بعض المصنفات والمقالات في الرد عليه، خاصة ما كتبه أتباع التيار السلفي، فأحزنتني بعض العناوين، لأنها تدل على افتقار من كتبها الى الأدب والذوق والأخلاق..

الشيخ اليوم كبرت سنه، وضعفت قوته، لكن ذاكرته لاتزال قوية، وعلمه حاضر، وكلماته مؤثرة، وقلمه سيال، والقلوب ملتفة حوله، يُقبل على زيارته الأفاضل من أهل العلم والدعوة الذين يعرفون فضله من مختلف البلدان، فيفرحون باجتماعهم به.

حفظه الله وبارك في عمره.

 

 

 


الثلاثاء، 9 يونيو 2020

الدَّارِجَة المغربيّة أفصح اللهجات العربية !




هذا عنوان مقالٍ كتبه الأستاذ الدكتور إبراهيم حركات، ونشرته مجلة "اللسان العربي"، العدد الرابع، الصادر سنة 1386هـ/ 1966م، وفيه الجواب عن تعجب الكثير من المغاربة عن وجود كلمات في دارِجتنا هي من فصيح اللغة العربية !

قال الدكتور في مقدمة مقاله : « ليس من قبيل التعصب الضيق أن نصل إلى هذه الحقيقة التي يحددها عنوان هذا البحث الصغير، فالمسألة لها جانب تاريخي واجتماعي قبل كل شيء، ذلك أن المغرب بحكم عدم اختلاط أهله بأجناس كثيرة منذ ما قبل الإسلام وبعده، لم تفسد لهجته بقدر ما فسدت في مناطق أخرى.
فالمغرب لم يُبل بحكم التتر، ولا الأتراك، والدول الفارسية، ولا غيرها من العناصر التي من شأن اختلاط العرب بها أن يُؤثر في لغتهم بقدر قليل أو كثير، وقد وقع ذلك في البلاد الشرقية، خاصة مصر والشام ».

ثم بين الدكتور أنَّ المغرب عرفَ دخول بعض عناصر مختلفة من دول أخرى، لكنها لم تكن ذات تأثير يستحق « الذكر بالقياس إلى الأثر الذي خلفه في ميدان اللغة وفود العرب الفاتحين، ثم هجرة بني هلال وبني سليم التي خلفتْ أضراراً سياسية واجتماعية بالغة، فإنها سَجلت أعظم أثر في تكوين اللهجة الدارجة الأصلية بالمغرب ».

ثم أضاف عاملا ثالثاً كان له التأثير العظيم في تكوين الدارجة المغربية ومنه استمدت الكثير من أصولها، وهو هجرة بني الأندلس إلى المغرب، بل إن « اللهجة الحضرية بعدد من مدن المغرب، كفاس، وتطوان، وسلا، والرباط، أكثرها مستمد من أصول أندلسية ».

وقال أن مما تميزت به اللهجة الأندلسية، أنها « تحتفظ بطابع عربي أصيل ».
ثم تكلم عن رسالة لمؤلف مجهول من القرن التاسع الهجري، عنوانها : "الجمالة في إزالة الرطانة"، وضعها مؤلفها لتقويمها وتصحيح أخطاء انتقلت إليها لابد من تجنبها..

فإن كان كلما ظهر اعوجاجٌ في المسير ظهر من يُقومه ويُصلحه، علمتَ أن علامات الصّحة ستدوم، وأن فصاحة اللسان ستتوارثها الأجيال على مدى قرون وقرون.

ثم ذكر الدكتور إبراهيم حركات أن « فصاحة البوادي، كالنواحي الصحراوية، وناحية الشاوية، أعرق منها في الحواضر، إذ الاحتكاك بالعناصر الأجنبية منذ دخول العرب إلى هذه النواحي، كان أقل منه في جهات أخرى ».
وأعطى أمثلة على مفردات هي من فصيح اللغة، لا يزال المغاربة يتداولونها في دارجتهم، كقولهم : « فلان مضروب على كذا (وهي لهجة سلا والرباط)، وأصله من ضرب الشيء إذا تطبع به وأولع به ». ومثال آخر قال : « وكذلك نقول: ضربه الله بمعنى أضله ».
و قولهم : « سَكّرْ الباب(بمعنى أغلقه) وأصله من السريانية »، وغيرها..

ثم ذكر بعض أوجه تشابه الدارجة المغربية بالدارجة اليمنية.
ثم أثنى على فصاحة أهل الصحراء «  في المنطقة التي تمتد من كليمين إلى مورطانيا »، وأنهم ممن يرتجلون الشعر ارتجالا، وهو من الأمور المألوفة عندهم في كل أسرة تقريباً، وحكى قصةً وقعتْ له حين زيارته لتلك الأماكن تدل على صحة ما ذكر، قال : « قد أتيح لي منذ سنتين تقريباً أن ألمس هذه الحقيقة عن كثب في تلكم الجهة القاصية من المغرب، حيث تحدثتُ إلى مسؤول في أعماق الصحراء، اعترف لي بأنه لا يحسن القراءة ولا الكتابة، ولكنه أنشدني من شعر ابن الرومي والمتنبي وغيرهما شيئاً كثيراً !
وزوّدني بعض فضلائهم بقصائد من إنتاجهم غاية في الجزالة.
وبيْن طانطان وكليميم تقع مقهى متواضعة لا يسع من لفَحَه حرّ الصحراء أو اعتاد البساطة في الاختلاط بالناس إلا أن يُعرج عليها، وما كدتُ أدخل بابها حتى بادَرتُ رَبّها مُداعباً بعد السلام : "وأنت يا أخي تحفظ أيضاً من الشعر نصيباً ؟"، فما أمهلني حتى نثر من كنانته سهاماً، وقد رأيته يقبع في زاوية مظلمة من مقهاه وهو يُطارح رفيقاً له، فاستغربت كيف تنفذ الفصاحة والمنطق العذب إلى ربع أنأى ما يكون عن العمران وأقرب ما يكون إلى المفازة التي لا أنيس فيها ولا ما يشجع على المقام ».

وهذا الاستغراب الذي حكاه الدكتور لا تزال تسمعه من إخوان وأصدقاء ممن يزور تلك المناطق البعيدة من بلادنا، وقد علت وجوههم علامات الدهشة كيف أن أهل تلك البقاع لهم دراية باللغة العربية وأنهم ينظمون قصائد الشعر الموزون الذي يختزن كل معنى جميل..
وبالله التوفيق.


الجمعة، 27 سبتمبر 2019

كتاب النبذة اليسيرة في تاريخ الدولة العلوية الشهيرة




أنهيتُ قراءة كتاب "النبذة اليسيرة في تاريخ الدولة العلوية الشهيرة" ومعه كتاب "العلاقات الأثيرة للحافظ عبد الحي الكتاني بملوك الدولة العلوية الشهيرة"، الأول للشيخ العلامة الكبير سيدي عبد الحي الكتاني رحمه الله، والثاني لمحبه المهتم بتحقيق تراثه الأستاذ سيدي عبد الهادي جمعون وفقه الله، فاستمتعت بقراءتهما.
أما الأول فقد ألفه الشيخ عبد الحي استجابة لطلب تلميذه السيد الفقيه سيدي عبد الوهاب محمد بن عبد النبي بن جلون الفاسي الذي سأله على لسان الفرنسي كارناجود مراقب الأملاك بناحية الشاوية وتادلة، أن يكتب له تاريخا مختصرا عن الدولة العلوية الشريفة، فيذكر له مؤسسها وملوكها، وسنة ولادة ووفاة وولاية كل واحد منهم..
فجاء هذا التاريخ مختصرا مفيدا، بقراءته تعلم أسماء أولئك الملوك، ومدة حكمهم، وطريقة وفاتهم..
ومما يثير انتباهك، كثرة من ثار ضدهم وقام عليهم، من أبنائهم، وإخوانهم، وأبناء إخوانهم، وغيرهم، وسيلان الدم الكثير بينهم ! فمن يطلب ملك الدنيا ويظن أنه سيرتاح فإنما يحلم ويطلب الوهم.
وقد يُعدد الشيخ عبد الحي بعض مآثر أولئك السلاطين، ويثني على بعضهم، كثنائه على السلطان المولاى محمد بن عبد الله، والسلطان المولى سليمان.
أما حين ذَكر السلطان عبد الحفيظ، ذمّه، ونَعته بأوصاف قبيحة، وكيف لا وهو الذي أرضى الفرنسيين باعتقال أسرة هذا الشيخ في السجن، وقتل فيه شقيق المؤلف الأكبر العارف الأشهر الشيخ سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني، وقد كان يُظن به أنه سيجاهد الفرنسيين، لكنه خان ثقة الشعب به، فأذله الله بعد عِزه.
وإذا كانتِ المحن قد تكون شديدة لكنها قد لا تدوم فتأتي العافية، فقد انكشفت الغُمّة وجاءت المِنحة حين اعتلى عرش المملكة السلطان المولى يوسف، ففتح لهم الزوايا، وأعاد للمترجم وأسرته الاعتبار، فتناثرت على الشيخ عبد الحي الظهائر الشريفة التي تدعوا عمال السلطان إلى توقير المؤلف وتقديره واحترامه هو ومن يتمسك بأهدابه، فأطلق الشيخ قلمه بالثناء عليه، فقال عنه أنه: ( ألين إخواته عريكة، وأحسنهم طريقة، شديد الحياء، حسن الوجه، جمع صفات الخير، معتن بدينه )، فصّدق فِعل هذا السلطان ما جاء في الحديث الشريف: ( أطلبوا الخير عند حسان الوجوه  ).
وأعجبني النص الذي نقله لنا المحقق في مقدمة الكتاب، والذي اقتبسه من كتاب المؤلف المُعَنون: "تاريخ بيوتات درن وزواياه ورجاله"، وفيه يُعَرِّف الشيخ عبد الحي بتلميذه الفقيه عبد الوهاب بن جلون الفاسي رحمه الله، فقد أثنى عليه بكلمات تُظهر محبته له، وعطفه وحنوه عليه، وحزنه وأسفه على فقده..
وقد جرت العادة أنْ يكون التلميذ والمُريد هو من يترجم لشيخه ومعلمه، فيطلق عليه الألقاب الرنانة ويصفه بالأوصاف العالية التي تشير إلى علو مرتبة شيخه وأستاذه، لكن الحالة هنا انكعست، فأثنى الشيخ على التلميذ وشكره وخلّد في كتابه ذِكره.
أما كتاب "العلاقات الأثيرة"، فقد جمع فيه الاستاذ عبد الهادي جمعون ظهائر سلطانية وُجهت إلى الشيخ عبد الحي الكتاني، تدل على مكانته العالية لدى سلاطين الدولة العلوية الذين عاصرهم، وترُدُّ ما ذكره المؤرخ خير الدين الزركلي رحمه الله في "أعلامه" أن الشيخ عبد الحي ( كان منذ نشأته على غير ولاء للأسرة العلوية المالكة )، بل كان على العكس من ذلك، فراسلهم وراسلوه، وفي رسائلهم إليه ترى الاعتراف بعلمه وفضله..
وبالاطلاع على تلك الظهائر، يعترف القارئ بمقدرة وكفاءة كُتَاب أولئك السلاطين، وأنهم فرسان الأدب، يملكون ناصية القلم، ينقاد لهم كما يحبون، فيُعبر عن المعاني التي يريدون بأرقى عبارة وأجْودها..
وقد أثبتَ لنا المؤلف صُوَر تلك الظهائر، وفي الكتاب فوائد تاريخية وأدبية..

الخميس، 4 يوليو 2019

حرق الكتب وإغراقها..؟!!




كتاب لطيف، موضوعه طريف، ذكر فيه مؤلفه أسباب حرق العديد من العلماء لمؤلفاتهم، أو أُحرقت بغير إرادتهم، كما ذكر من دَفن مؤلفاته، أو غَسلها، أو أغرقها، أو مَحى ما كتبه..

قال يبين سبب تأليفه له: ( قصدتُ من هذا البحث الترويح على القراء ببعض لطائف العلماء وأخبارهم مع كتبهم، مما يؤكد على أهمية الحفاظ على الكتب وصيانة المكتبات ورعايتها من التلف، وقديما قيل: لا تجعل كتابك بوقا ولا صندوقا، فإن الكتب هي مفتاح الثقافة، ومصدر المعرفة، ومنبع الحكمة، ومنهل الأخلاق ).

فذكر من الذين احتَرقتْ مكتباتهم: الإمام الخرقي الحنبلي، لما هاجر إلى الشام أودع كتبه في درب سليمان ببغداد، فاحترقت الدار التي هي فيها واحترقت جميع الكتب. وعبد الله بن لهيعة المصري، احترق منزله فاحترقت كتبه. وعُروة بن الزبير احترقت كتبه يوم الحرة، وكان يقول: ( وددت لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي ). والشيخ حمد الجاسر (ت 1421هـ)، احترقت مكتبته ببيروت، وتزامن ذلك مع وفاة ابنه في حادث سقوط طائرته المتوجهة إلى هولندا، قال المؤلف: ( سمعت الشيخ الجاسر في محاضرة عامة يقول: لفقد كتبي أشد على نفسي من فقد ولدي )..

ومن الذين حُرِّقتْ كتبهم: ابن حزم الأندلسي، وحُجة الاسلام الغزالي، والصاحب ابن عبّاد، وغيرهم..
وأما الذين غُرقت كتبهم، فذكر منهم: الإمام القطيعي الحنبلي البغدادي، وابن الدهان النحوي، وابن هشام النحوي.

وذكر من الذين أَحرقوا كتبهم: الحسن البصري، أحرق كتبه ولم يترك سوى صحيفة أذِن لولده بروايتها عنه. وعروة بن الزبير، ذكر ولده أنه أحرق كتبا له فيها فقه، ثم ندم على ذلك. وجمع أبو سليمان الداراني كتبه في تنُّور وسجّرها بالنار. وغيرهم..

ومن الذين دفنوها: الولي الزاهد داود الطائي. والإمام الذهلي، دُفنت كتبه بعد وفاته. والإمام الشهير سفيان الثوري الذي أوصى بدفنها وحرقها. والعابد الزاهد يوسف بن أسباط، الذي حَمل كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه، وسد بابه، فلما عوتب على ذلك قال: ( دلّنا العلم في الأول، ثم كاد يضلنا في الثاني ). والعلامة محمد بن الأمين الشنقيطي (ت 1393هـ)، فقد ألف قبل البلوغ كتابا في أنساب العرب نظما، ثم دفنه بعد البلوغ لأنه كان ألفه على نية التفوق على أقرانه، وقد لامه شيوخه على ما صنع. وغيرهم..

وذكر من الذين غسلوها: الإمام الحافظ شعبة بن الحجاج، والإمام الزاهد أحمد بن أبي الحواري، والإمام المجدد جلال الدين السيوطي، وغيرهم..
وذكر من الذين مَحوها: التابعي الكبير عبيدة السلماني، وخالد بن مهران الحذاء البصري.
وختم تأليفه هذا بذكر من تَعفَّنتْ كتبه، ومن قرض الكتب، ومن خَرقها.
الكتاب طبع سنة 1423هـ/2002، وعدد صفحاته: 53.