الاثنين، 10 أغسطس 2015

كتاب أم الطلبة



صدر حديثا للأستاذ الكاتب السيد رضى الله عبد الوافي ابن العلامة الأديب الوزير سيدي محمد المختار السوسي، بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة السيدة والدته: الحاجة الشريفة للاّصْفية بنت إبراهيم التازروالتي رحمها الله، كتاب في ترجمتها عَنْونه: " أم الطلبة "، تحدّث فيه عن والدته: نسبها، مولدها، سيرتها، وهواياتها، وما عُرف عنها من أخلاق كريمة طيبة.. كما تكلم فيه عن مجريات احداث زواج والده بها، والذي كان اقترَح عليه كبار العلماء ـ كالشيخ أبي شعيب الدكالي ـ وبعض وجهاء مراكش بناتهم فلم يقع اختياره إلا عليها، وذكر فيه مراحل حياتها متنقلة مع الشيخ زوجها بيْن: مراكش حيث مدرسة الرميلة، فكانت تعتني فيها بإكرام طلبتها وضيوف زوجها السادة العلماء والأدباء وغيرهم من الفضلاء، ثم مرحلة إلغْ، حيث نُفيتْ معه بسبب مواقفه الوطنية، ثم ما بعد النفي، حيث عادتْ رفقته إلى مراكش، ثم للدار البيضاء، وكان الاستقرار أخيرا بعد الاستقلال بالرباط العاصمة، وبها كان مرقدها غير بعيد عن مرقد زوجها.

قدّم للكتاب الدكتورة آمنة الراضي التي حصلت مؤخرا على الدكتوراه من كلية الآداب بأكادير في موضوع "الرؤية النقدية عند محمد المختار السوسي بين التنظير والتطبيق"، فكان من جميل المناسبة أن يكون من يُقدم لكتاب يتحدث عن سيدة سوسية جليلة سيدة كريمة من أبناء سوس أيضا.

وفي آخر الكتاب شهادات لستة من الشخصيات التي عرفت السيدة والدته، وخالطتها، أو نالها من إحسانها وكرمها، منهم بعض تلامذة والده الذين درسوا في مدرسة الرميلة: الشيخ الفقيه رئيس إحدى المجالس العلمية بالدار البيضاء سيدي حسن الأمين، والشيخ الفقيه خريج جامعة ابن يوسف بمراكش سيدي محمد المعتمد، وقد كنتُ رافقته حين سجل شهادتهما بالدار البيضاء، فرأيتُ كيف يكون توقير العلماء الأجلاء الفضلاء لشيخهم الذي اعتنى بهم، وكيف هو شوقهم له، وكيف هي محبتهم له، وتسمع من أحدهم يقول أنه صاحب الفضل عليّ، وأنه لا يزال يرى الشيخ في المنام المرة بعد المرة على حالة نورانية عالية.. 
كما أتى فيه بشهادة الدكتور محمد خليل وشهادة زوجته، والسيدة مينة الحاج السليماني، وأتى بكلمة للأستاذ عبد الله السعيدي عضو جمعية علماء سوس، وختام صفحات الكتاب تقريظ للأستاذ سمير الوناسي المراكشي.

يجد القارئ في الكتاب نقول كثيرة من مؤلفات العلامة سيدي محمد المختار السوسي، المطبوع منها والمخطوط، كما يجد فيه العديد من الوثائق المتنوعة، وصور للعديد من رسائل التعزية فيها وغير ذلك.
فجاء مؤلفا لطيفا، ممتعا، ينضاف إلى قائمة الكتب التي أفردها علماؤنا الأجلاء في ترجمة أمهاتهم، كالشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني الذي له كتاب : "ترقية المريدين بما تضمنته سيرة السيدة الوالدة من احوال العارفين" (1)، والشيخ القاضي سيدي احمد سكيرج الذي ألف: "الغنيمة الباردة في ترجمة سيدنا الوالد وسيدتنا الوالدة"، والشيخ المحدث سيدي محمد الباقر الكتاني له صنف كتاب: "صيد المآثر الشاردة في ترجمة السيدة الوالدة" (2).

فهنيئا للأستاذ المؤلف سيدي رضى الله عبد الوافي على هذا الإنتاج الجديد الذي يدل على بُروره بوالدته، والذي لاشك سيُفرح أهل سُوسْ ونساء سوس، وسيُضيف الكثير عن سيرة شيخ الجماعة بسوس العلامة الوزير سيدي محمد المختار السوسي، ويُبرز دور ومكانة زوجته التي كان يحبها ويعتز بها في مسيرته الحياتية الحافلة الناجحة.


-------------------------------
1) مطبوع، نشر سنة 2007 م.
2) التأليف ونهضته بالمغرب (ص 117)

السبت، 11 يوليو 2015

الشيخ الدكتور سيدي محمد أبو بكر باذيب




في  شهر ماي سنة 2014م رأيتُ فيما يرى النائم أنني قصدتُ فندقا وأنا أحملُ في يدي قُفة مليئة بـ "مجلة العربي" أريد أن أهديها للشيخ الدكتور سيدي محمد أبو بكر باذيب، وحين دخلتُ الفندق رأيتُ الشيخ ينزل الأدراج وهو يحمل قفة مثلها ممتلئة هي أيضا بمجلة العربي كيْ يُهديها إليّ.
ما كنتُ أظنّ أنه سيأتي اليوم الذي ستتحقق فيه الرؤيا، فألتقي في بالشيخ وأجالسه وأكلمه مباشرة، لكنْ ذلك ما حصل صبيحة يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، وسبحان الله تعالى القائل: ( وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ).


فقد استدعت الطريقة البَصيرية العديد من رجال العلم والفكر والتصوف للحضور للمشاركة في الندوة العلمية التي عقدتها في مقر زاويتها ببني عياط بأزيلال، يومي الثلاثاء والأربعاء 18-19 شعبان 1435هـ، الموافق لـ 16-17 يونيو 2014م، وكان الشيخ الدكتور سيدي محمد باذيب ضمن العلماء الذين استُدعوا لكي يفيدوا بعلمهم، وكانت مداخلته تحت عنوان: "دور صوفية اليمن وحضرموت في تعزيز الأمن والاستقرار".


في صبيحة يوم الثلاثاء، وبينما أنا أنتظر في محطة الطاكسي ظهور إحداها كي أركبها تقربني إلى حيث الموعد مع الشيخ سيدي محمد باذيب، إذا بصديق من أيام الدراسة لم ألتقه مُنذ مدة طويلة كُنيتُه "جَمالي" يُلقي عليّ السلام والتحية، فتفاءلتُ به، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل بالأسماء الحسنة، وكان « يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع يا راشد، يا نجيح »، فقلتُ: "إنْ شاء الله يكون هذا اليوم من الأيام الجميلة".

وحين تأخرت الطاكسي ركبتُ الحافلة، وبينما هي تسير إذا بهاتفي النقال يرنّ، ففتحته أنظر ما الخبر ؟ فرأيتُ رسالة تظهر فيها صورة هدية كُُتب فوقها بالانجليزية كلمة وهي: "birthday"، فاستغربتُ كثيرا، فليس اليوم ذكرى مولدي ! ثم أغلقته وقد ازددتُ استبشارا، وحين بلغتُ الفندق، وبينما أنا أنتظر نزول الشيخ منْ غرفته؛ إذا بالهاتف يرن مرة أخرى، وإذا بنفس الرسالة تظهر من جديد، فقلتُ في نفسي: "نعَمْ، قد فهمتُ ما ترْمي إليه، إنّ يوم اللقاء بأهل العلم والفضل ليُعد منَ الأعياد"، ألمْ يقل العلامة الوزير سيدي محمد المختار السوسي رحمه الله تعالى:


        بُشرى قد انتظم الياقوت في الجيد  *   أليس يـوم اجتماع الشمل بالعيـد
        اليـوم  تـرقـص  بالأفـراح  أفئـدة  *   نشوى فترسل من شتى الأناشيد (1)

بالبشر استقبلني الشيخ، وبعد المصافحة والعناق، شاركته إفطاره، وأهداني ـ جزاه الله خيرا ـ بعض ما ألّفه مما كنتُ أتشوق كثيرا لحيازته وقراءته، وأهديته أنا بدوري رسائل صغيرة كنتُ أحملها في محفظتي، وأظن أنّ أفضل هدية تُقدمها لعالم هي الكتب، فإن لها في قلوب العلماء مكانة، وإليها يشتاقون . 
قال العلامة الأديب سيدي محمد المختار السوسي رحمه الله:

كتبي فلا عيش لي من دونها، أوَلمْ * تدْروا بأن ليس إلا الكتب ملتحدي
فالكتب سـؤلـي وأمالـي ومنتعـشـي * وأنْـس قلبـي ومنها وحـدها جلـدي
فحـبـهـا     خامـرت     بـشاشـتـه * ما كان بيـن شراييني وفي غـددي
   بها مزاجـي وتمييـزي، فإن ذهبـتْ * تـذهـب بتمييـز ما بالـيـوم أو بغـد (2)

ومنْ سعادتي أنه دعاني لمُرافقته لزيارة الشيخ الجليل العلامة سيدي إدريس بن الإمام محمد بن جعفر الكتاني، فتبركتُ بتقبيل يد ورأس الشيخ سيدي إدريس، ومتعتُ ناظري بمشاهدة مُحياه الكريم، فإنه حقا لمن بركات مدينة الرباط عاصمة المغرب الأقصى.

ثم قصدنا جنة العلماء، ألا وهي المكتبات، حيث يسترخصون إنفاق الأموال المحبوبة بسخاء كبير، وفي مكتبة "الألفية الثالثة" التقينا بصاحب الابتسامة الصافية، الشيخ الخطيب الداعية، سيدي الحسن بن علي الكتاني، فازداد اللقاء صفاءا وبركة، ثم رافقتُهما إلى "مكتبة دار الأمان"، بعدها أضافنا الشيخ سيدي الحسن الكتاني على شرب العصير، وكان برفقتنا أحد أشقائه الكرام، فازداد اللقاء حلاوة، بعدها حملنا بسيارته إلى الفندق، ومنه إلى حيث تنتظر الشيخ سيدي محمد باذيب حافلة صغيرة للمسافرين "mini bus" تحمله إلى قبيلة بني عياط حيث الندوة الدولية.

هي ساعات قليلة أمضيتها مع الشيخ الدكتور سيدي محمد باذيب، لكن البركة فيها كانت كبيرة، وقد مَرّ على اللقاء به أسبوع كامل، ولازِلتُ لليوم أتذوق طعم حلاوة ذاك اللقاء.

فيا أهْل اليمَن، إنّ لديكم من أهل العلم سادة كرام أفاضل أخيار، إنْ لم تعرفوا لهم قدرهم وفضلهم فإن في بلاد المغرب الأقصى من يعرف لهم مكانتهم، ويفرح بلقائهم، ويتمتع بإمضاء الساعات معهم، ويعدها من المغانم الغالية، بل يرى يوم اللقاء بهم يوم عيد، منهم الشيخ الحبيب الدكتور المحقق سيدي محمد أبو بكر باذيب.
----------------------------
1) "معتقل الصحراء" (1/ 81).
2) "معتقل الصحراء" (1/ 38)

الجمعة، 12 يونيو 2015

كتاب "ألقابُ الأسَر"



ذكر الإمام احمد المقري التلمساني في "أزهار الرياض" يُبين أسباب التأليف عند السادة العلماء:« رأيتُ بخط بعض الأكابر ما نصّه: المقصود بالتأليف سبعة: شيء لم يُبق إليه فيؤلف، أو شيء ألف فيكمل، أو خطأ فيصحح، أو مُشكل فيُشرح، أو مطول فيختصر، أو مفرق فيُجمع، أو منثور فيُرتب » (1). وكتاب: "ألقاب الأسر" جمع فيه مؤلفه الشيخ المُسند النسّابة سيدي محمد بن عبد الله آل رشيد ما تفرّق في غيره مما يخص ألقاب الأسَر، وشرْطهُ فيه أنْ تكون تلك الألقاب « عُرف سببها، وسَرتْ على العقِب » (2).


وإنه لكتاب مُمْتع، كثير الفائدة، وكيف لا يكون كذلك وقد استقى مؤلفه مادته مما يزيد على 480 مرجعا، منها المطبوع، ومنها المخطوط، ومن مجلات، وجرائد.. 



كما اعتمدَ فيه إفادات شيوخه له، ومن أولئك المشايخ من هم اليوم قد توفوا وانتقلوا إلى ديار الآخرة، نذكر منهم من أعلام قطرنا المغربي: المؤرخ عبد الوهاب بن منصور، والدكتور عبد الهادي التازي، والموسوعي عبد العزيز بن عبد الله، والدكتور عبد السلام الهراس. فحفظ لنا الشيخ المؤلف إفاداتهم حية بين ثنايا كتابه هذا، رحمهم الله ورضي عنهم.



كما نراه أيضا ينقل فيه ما استفاده ـ في الموضوع ـ عن أصدقائه (3)، فليس هو ممن يُنكر الفائدة ولا يعزوها إلى أصحابها إن كانوا من أقرانه، إذ تلك طريقة من أخطأ سُلّم الارتقاء إلى المعالي، وأصدقاءه ـ ما شاء الله ـ كُثر، ثم إنه يُطلق على كل واحد منهم من الألقاب ما يبرز مكانتهم وفضلهم، ويَشكرهم...



ومنَ اللطيف أنه استْشهد بإبنه القاضي الأديب السيد نواف، نَقل عنه ما رواه عن الشيخ العلامة محمد علي نزيل دبي، وذلك عند حديثه عن سبب لقب "سلطان العلماء" (4)، وهذا يدخل في باب رواية الآباء عن الأبناء، وللحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تأليف مستقل في هذا النوع من أنواع علوم الحديث.



وتجد العديد من أسباب ألقاب تلك الأسر استفادها الشيخ المؤلف ـ حفظه الله ـ من بعض أبنائها، ما يجعلك تظن أن الشيخ يسأل كل من يلتقيه عن "الاسم وتوابعه" (5).



ومما يجَب أنْ لا يُهمله المُطالع للكتاب؛ تلك التعليقات التي يُثبتها المؤلف في الهوامش، فكم فيها من لطائف، وتنبيهات (6)، ومباحث، وحكايات، وتصحيحات، وتعقيبات على ما كتبه الشيوخ والعلماء في مؤلفاتهم، وفوائد كثيرة متنوعة في الحديث، والتراجم، واللغة، والفقه، والتاريخ، وعن الكتب المخطوطة وأماكن تواجدها، وعن المؤلفات في موضوع مُحدد..



ثم إنه وَسّع دائرة الحديث عن ألقاب الأسر لتشمل مختلف الدول العربية، فتجد فيه الأسر المغربية، واليمنية، والشامية، والمصرية، العراقية، وغيرها من الدول..

كما تجد فيه الحديث عن ألقاب الأسر الشيعية، والمسيحية: المصرية واللبنانية..


وقد افتتح كتابه ببيان سبب تأليفه له، ومنهجه فيه، ومعنى اللقب في اللغة والاصطلاح، والآداب الشرعية للتلقيب، والألقاب في القرآن الكريم وفي السنة المشرفة، وتحدث عن تنوع أسباب الألقاب والنِّسب، وعن شخصية الملقَّب وأثرها في وقع اللقب، وأنه لا اجتهاد في أسباب الألقاب، وأنها في الغالب ليست على ظاهرها، وأعطى أمثله على من لقّب بصنعة أو مهنة وهو لم يتعاطاها البتة، وهو عنوان لطيف، أو من نُسب إلى بلد أو موضع وهو ليس منه، وما جاء في الألقاب على ضد معناه، وعلى عناية أهل العلم بمعرفة أسباب الألقاب، وأتى بنماذج مما ألفه العلماء في الألقاب، ولطائف متفرقة.



وختمه بتتمات مشوقة، ومُلحق. 

أما التتمات فذكر في الأولى من نُسب إلى كتاب، وفي التتمة الثانية من جمعَ حديث راوٍ أو أكثر الرواية عنه فلُقبَ به، وفي التتمة الثالثة معنى لقب شيخ الإسلام.
وأما الملحق فهو عبارة عن مقال للأستاذ السيد شحاتة عنوانه: "فلسفة الأسماء"، نشر بمجلة الرسالة سنة 1357هـ/1938م، وهو أيضا ممتع.


لقد انتفعتُ بمطالعة هذا الكتاب القيّم، واستفدتُ منه الشيء الكثير مما لم أكنْ أدْريه وأعلمُه، فجزى الله مؤلفه الشيخ المسند النسابة سيدي محمد آل رشيد خير الجزاء على هذا الإنتاج العلمي النافع الذي أتحفنا به.

والحمد لله رب العالمين.
-------------------
1) "ازهار الرياض في اخبار عياض" (3/35).
1)  "ألقاب الأسر" (ص 7).
3)  من الجميل أنه ترجم في سطور (ص 209) وفي (ص 276) لبعض أصدقائه يُعرّف بهم.
4)  (ص 357).
5) من المسلسلات الحديثية: مسلسل السؤال عن الاسم وتوابعه.
6)  ومما نبه عليه المؤلف: أخطاء وقعت له في بعض كتبه المطبوعة، كما في (ص 286)، و(ص 288)، و(521).

السبت، 28 مارس 2015

الذكرى الثالثة لوفاة الشيخ العلامة سيدي مصطفى النجار رحمه الله



في مثل هذا اليوم من سنة 2012م، شيَّعَ رجال الفكر والثقافة والسياسة والتصوف والأدب، وجمهور غفير من المسلمين قدموا من مدن بعيدة، الشيخ الفقيه العلامة سيدي مصطفى النجار إلى مَثواه الأخِير، وقد كان مُصاب أهل سلا به كبيرا، فقد فقدوا رجلا يَحقّ لهم الفخر بمثله والاعتزاز بكونه مِن مدينتهم، لسِعة علمه، وحُسن سيرته، وجمال أخلاقه، وكمال أدبه، واشتغاله بتعليم الناس أمر دينهم لسنوات طويلة من حياته.

سيفتقدون فيه ذلك العالم الهادئ المتواضع، الليّن الصبور، الذي لا تُمل مُجالسته، والذي يَستشعرون بالقرب منه معاني الأخوة والصحبة الإيمانية، فكانوا يقصدون بابه لحل مشاكلهم وليجدوا عنده جواب أسئلتهم المُحيّرة. 

سيفتقدون فيه نموذج العلماء الأجلة، الذين تشَرّبوا محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يُنشد مع المنشدين قصائد المديح النبوي، وإذا ذُُكر عليه الصلاة والسلام تقطر الدمعاتُ مِن عينيه. 

كما كان مُحبا للغة القرآن، وكمْ له من القصائد في مختلف المواضيع الشعرية والأدبية، ألقاها في مناسبات متنوعة، أو نُشرت له في المجلات الإسلامية، ومما كان ينشده يدعو لإتقان لغتنا العربية:

    حِفظُ اللغات علينا    فرضٌ كفرض الصّلاة
    فليـس يُضبط دينٌ    إلا   بحـفـظ   اللغــات

سيفتقده منزله الذي كان يَذكُر فيه أوْراده، ويقرأ فيه كتاب ربّه، ويصلي فيه بالليل ركعات تطوعا ونافلة.

ستفتقده الزاوية التهامية التي كان يسرد فيها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الموسم. وستفتقده الزاوية الحسونية التي كان يسرد فيها المولد الشريف، كما كان ينظم فيها مسابقة في تجويد القرآن الكريم. وستفتقده الزاوية التجانية التي كان يصلي فيها ويُلقي فيها دروسه.

وسيفتقده كرسي العلماء والوعاظ بالمسجد الأعظم الذي درس فيه العقيدة والفقه والحديث و"مختصر" الشيخ خليل، وسيفتقده مسجد رضا، ومسجد للاالشهباء الذي ختم فيه تدريس "مختصر الدر الثمين" لميارة، ومسجد الولي الصالح سيدي مرزوق، ومسجد الرضى.

وسيفتقده من مساجد الرباط: مسجد مولاي سليمان، ومسجد الشهداء الذي كان يخطب فيه خطبة الجمعة ويلقي فيه دروسه، ومسجد مولين، وغيرها من مساجد وزوايا العدوتين التي دلّ وأرشد فيها لما فيه النفع في الآخرة. 

ستحن إليه ثانوية النهضة التي درّس فيها وتلاميذها الذين تخرجوا منها. 

سيفتقده طلاب العلم الذين كانوا يقصدون بيته المفتوح دائما لهم، فمن أينَ لهم بمِثل نكاته العلمية وملاحظاته الدقيقة وتوجيهاته السديدة ؟ 

سيفتقدون فيه نموذج العالم المُحترم الذي كان يُعَظم شيوخه ويَذكرهم بكل أدب وتعظيم وإجلال. 

كما سيفتقدُ الناس فيه نموذج الوطني الغيور، والمجاهد المُخلص، الذي يهتم لأمرهم ويَبث في قلوبهم حب البلاد وروح الوطنية.

لقد كان يهيم بمحبة العلم، وكان يدعو الله تعالى ـ كما سمعتُ تلميذه الشيخ الأستاذ سيدي عبد السلام الطاهري ينقلُ عنه ـ :« اللهم أحْيِني في قبري كَيْ أقرأ العلم وأتدارسه مع شيوخي الذين سبقوني وتلامذتي»، وقد أخذه عنْ كبار العلماء، كالشيخ أحمد بن عبد النبي السلاوي، والشيخ محمد المدني بن الحسني، والشيخ محمد بن الطيب الصبيحي، والشيخ عبد الرحمن بن محمد الباقر الكتاني، والشيخ محمد بن أبي بكر التطواني وغيرهم.

وقد سار في هذا الدّرب إلى أن صار رئيسا للمجلس العلمي لسلا سنة 2004م. 

ومن المؤلفات النافعة التي حققها، فأخرجها من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات، كتاب: "السلسل العذب" لمحمد بن أبي بكر الحضرمي، و"النوازل الفقهية" للعلامة أحمد بن الفقيه الجريري، و"المورث لمشكل المثلث" للعلامة عبد العزيز المغربي.

مزاياه رحمه الله تعالى عديدة، ومناقبه كثيرة، ومع أنه مَرّ على وفاته ثلاث سنوات؛ إلا أن ذِكْره لا يزال يُعطّر الأجواء، والثناء عليه لا يَنقضي. 

وقد أحسن الشيخ الأستاذ سيدي عبد السلام الطاهري حيث جمع في كتاب "مدينة سلا تودع العلامة مصطفى النجار" ما ذُكر في تأبينه من كلمات وقصائد، كما ألف بمشاركة الأستاذ محمد بن عزوز كتابا عن الفقيد عنوانه:"العلامة مصطفى النجار من أعلام الثقافة والفكر بمدينة سلا"، فأحسنا وأدّيا بعض الحق الذي للشيخ على طلابه خاصّة وعلى أهل العلم عامة.

ولد الشيخ مصطفى النجار بسلا سنة 1931م، وتوفي عليه الرحمة والرضوان بنفس المدينة يوم السبت 24 ربيع الثاني 1433هـ الموافق 17 مارس 2012م.


السبت، 24 يناير 2015

من سيرة الإمام محدث الشام العلامة سيدي بدر الدين الحسني رحمه الله




الرجل كان قمة في العلم، قمة في الأخلاق، زيّن الله به بلاد الشام، وفخِرت به عن غيرها من البلدان.
تجد في كتاب "محدث الشام العلامة السيد بدر الدين الحسني" لمؤلفه الشيخ المسند النسابة سيدي محمد بن عبد الله آل رشيد، الذي جمع فيه مقالات تلامذة هذا الإمام عنه بعد وفاته، وهي مقالات كلها تفيض محبة واعترافا بفضائله وشمائله ومزاياه، وفيه أيضا كلمات وقصائد في مدحه، وأخرى في رثائه ترى فيها تأوهات على فقده وحزن وأنين، وعلى فقد مِثله يحق البكاء.

استوقفتني في سيرته العديد من الصور، منها:

أنه كان يأمر بالحقّ، ويدعو لجهاد المستعمر الفرنسي ولم يكن منَ القاعدين.

وأنه كان يشفع للضعفاء لدى رجال السلطة، ويُشفق على المَسجونين، فيدخل السجون ليَعِظهم و يَدُلهم على الطريق الهادية والسبيل القويم.

وأنه ـ مع ما وصل إليه مِن عِلْمٍ وشُهرة ـ كان منْ كبار المتواضعين، فلم يكن يرى نفسه فوق أحدٍ منَ المسلمين، حتى العُصاة مِنهم كان يَراهم بعيْن التعظيم، ومِن أغرب حِكاياته، ما ذكره تلميذه الأستاذ المفكر الداعية محمد المبارك رحمه الله في مقالته عنه (ص 146)، قال:« من أغرب ما سمعتُ مِن تصرّفه وطرائق إصلاحه، حادثة عجيبة سمعتها ممّن وقعت له مع الشيخ رحمه الله، ذلك أنه استدعى أحد أصحابه وهو الذي حدثني بالقصة، وكان شيخا في نحو الستين من عمره، ذا لحية كبيرة، وعمامة من هذه العمائم التي يتخذها عامة الناس من أهل الشام من التجار وأهل الحِرف، ثم قال له: تذهب إلى محَل البِغاء، وتسألُ عن الكبيرة التي تدير شؤون البغايا، وتعطيها هذه الدنانير الذهبية العشرة، وتقول لها: إن الشيخ يطلب منكِ أن تأمري مَن عندكِ مِن البنات أن يغتسلن، ثم تعطي كل واحدةٍ منهن دينارا ذهبيا، وتطلبي إليها أن تدعو للشيخ. فحارَ الرجل في أمره كيف يذهب بهيئته هذه إلى مثل هذا المحل، ثم لم يجد مَناصا بعد أن أمره الشيخ مِنْ تنفيذ ما أمره به. 

قال لي: وقد نفذتُ ما قال لي، ولم أخرجْ حتى سمعتُ بكاءهن ونحيبهنّ، ولاشك أن أكثرهن وربما كلهنّ قد تُبنَ ممّا كنّ فيه وغيّرن حياتهن وعُدنَ إلى الحياة الشريفة المستقيمة» انتهت الحكاية.

ذكّرتني هاته الحكاية بما كنتُ قرأته ـ إن لم تخني الذاكرة ـ في "الطبقات الكبرى" للإمام الشعراني، في ترجمة بعض الأولياء، أنه كان يمضي إلى دور البغايا اللواتي هرمن وكبرن في السّن، ولم يُعد يأبه بهن ولهن أحد، فيعتني بتمريض مَن كانت منهن مريضة، ويساعد على تحسين حالتهن المعيشية.. وكنتُ حينها استغربتُ هذا الخلق العجيب، الذي زاد مِن تقديري للسادة الصوفية ومنْ مَحبتي لهم.

فما أعظم تلك القلوب اللطيفة الشفيقة التي امتلأتْ رحمة وعطفا على الخَلق: العُصاة منهم والطائع، وصلى الله وسلم على سيد الخلق وشفيع الأنام يوم الزحام الذي بعث رحمة للعالمين والقائل:« الراحمون يرحمهُم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ».

ولم تكن شفقة الشيخ على المسلمين فقط، بل شملت عطفته أيضا غيرهم من أهل الملل الأخرى.

يذكر الأستاذ محمد المبارك في نفس المقال (ص 141)، قال رحمه الله:« كان الشيخ يتفقد أحيانا بعض أصدقائه ومعارفه القدامى ممن لا يَعرف الناس صلته بهم، أو بعض أرحامه، وأكثر ما يزور من الناس البُسطاء، وقد يزور غيرهم. كما كان يتفقد بزياراته بعض أهل الملل الأخرى، وقد اشتهرتْ زيارته لحيّ النصارى في أيام الثورة، في وقتٍ شاعتْ فيه شائعة خبيثة روّجها دُعاة السّوء وأبواق الفرنسيين، وهي أن الثوار يريدون الاعتداء على الحيّ، فكان لزيارته معنى رائع عظيم، وهو التضامن بين المسلمين والمسيحيين في محاربة الفرنسيين المستعمرين ».

فلا يستغرب المرء حينما يقرأ في تراجم بعض الصالحين وبعض العلماء الحلماء العاملين، أنه حضر جنازتهم إضافة إلى المسلمين: اليهود والنصارى، فإن الرّحماء تُحبهم جميع القلوب.

وعلى قدر الرحمة في القلب، تكون الشجاعة. 



فرحمة الله على الإمام بدر الدين الحسني، العالم، الرباني، العاقل، الشفيق، الشجاع، زينة بلاد الشام.

الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

كتاب: "استجلاب الفيوضات من منشئ المخلوقات في الصلاة والسلام على دليل الخيرات وأنموذج الكمالات صلى الله عليه وسلم"



قرأته على مهل في عدة أيام، وكنتُ كلما طالعتُ ثلاث أو أربع صفحات منه أشعر بالارتواء، فأضعه إلى وقت آخر.
وكنتُُ كلما تقدمتُ في القراءة أتعجب من تلك المصطلحات التي تحمل معاني لطيفة سامية والمسبوكة بطريقة أنيقة عالية في صيغ تعبر عن مدى تعلق الشيخ محمد الباقر بالجناب النبوي الشريف، ومدى التعظيم الذي يحمله في قلبه لصاحب الرسالة الخاتمة، وتدل على عمق غوصه في بحر محبته عليه الصلاة والسلام إلى حد جد كبير..

يَذكر في القصيدة التي ختم بها الكتاب أنه ما ألفه إلا بإذنٍ، قال (ص:119):


قد صغتُه بلطافة وسكينة ** وهداية ونجابة المتكامل
قد صغتُه بسعادة ورزانة ** ومهابة ومحبة بعوامل
بالاذن جاء، فحزتُه وكتبته ** أرجو المعارف من عوارف شامل
ثم يوصينا بالنظر فيه، فيقول:
فانظر مليا في فتوح ثنائه ** أنصت مليا في كمال دلائل
أمعن به تحظ بكل معارف ** أسعد به ذخرا بخيرٍ حافل 
واصرف له الأوقات تجلُ كمائما ** واصحبه في التذكير كل صائل
هو كنز هذا الدهر فتحٌ كامل ** هو تاج أعلام ومجدُ أماثل
باكورة هو في العقود وجوهرٌ ** متلألئ بضيائه المسترسل
الخير كله في بواطن طيه ** والفيض حاز جميعه بفضائل
من الصيغ العجيبة تلك التي ضمت أسماء لبعض مؤلفات والده وغيره من كبار السادة الصوفية (الصلاة رقم:7-8).


وأعجبتني هذه الصيغة:( اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد الذي رفعت ذِكر الأولياء بمحبته، وشرّفتهم بالاحتماء بجاهه، وعظمتهم بالانتماء إليه، وسوّدتهم بالانهماك في محبوبيته، وأنزلتهم المكان الرفيع بشغفهم له، وبوّاتهم مقاما عليا بعشقه وكمالاته، وأقعدتهم سنام المجد باتباعهم سبُل محجّته واقتفائهم طريق هدايته، فسادوا به طول الدوام، وبسطتَ ذكرهم على مر الشهور والأعوام، وسلكتَ بقلوبهم نحو الإلهامات اليقينية، ومنحتَ بصائرهم بمشاهدته يقظة ومناما، قعودا وقياما، في الحركات والسكنات، وآله وصحبه وسلم ).

من خلال سطور الكتاب تتبين لك عقيدة الشيخ، وتتيقن أنه من كبار العارفين المُحبين، وأنه ممن اجتبيَ وخصص بالفضل والخير العميم، ولا تستبعد ما أطلقه عليه المحقق الشيخ الدكتور سيدي حمزة الكتاني في ترجمته (ص:17) من ألقاب عالية، ومن أنه صرح ببلوغه درجة القطبانية في بعض أماكن من "البشائر الاهتدائية"، فالرجل كان من الكبار، وترجمته فخيمة، ولم نر من يقول فيه كلمة ناقصة، فكان عالما، محدثا، أديبا، فقيها، مؤرخا، صوفيا سنيا، داعية إلى الله، مربيا ،وطنيا، كريما.. 
وإن لم تُصدق فإن صورته تنبئك عن سماحته وصفاء قلبه وحسن طويته وجميل ظنه واتباعه للسنة، وصورته وهو كهل ترى فيها الوقار وعزّ العلم والسكينة..
فهو من مفاخر بلاد المغرب، ومن السادة الذين أوقع الله تعالى حبهم في قلبي منذ قرأت ترجمته أول مرة، وأظن أن هذا الكتاب هو ثالث كتاب طالعته له، وأرجو أن أطالع في المستقبل غيره. 
وقد أهدانيه صاحب الأفضال على الطلبة والباحثين وغيرهم من أهل العلم، أحد فروع تلك الأصول الكريمة، الشيخ الشريف الدكتور سيدي حمزة الكتاني:
« إن الجِيَادَ على أعراقها تجري»
فله مني جزيل الشكر.


وأختم بما دعا به الشيخ محمد الباقر في إحدى صلواته (ص:80):(( .. اللهم بحقه عليك، وبمحبوبيته لديك، استغرقني في جماله، واستهلكني في كماله، واسقني من فتوحاته، واغمسني في انواره، وأوِْردني من عوارفه، وأنطقني بمعارفه، وامنحني الخوض في أبحره التي لا منتهى لها، واسبح بي في مناهل أنسِه الذاتي حتى يرتوي ظمأ قليبي، وتسقى جميع عوالمي ولهيبي، فأربح الربح الأبدي في الدارين، مع الصحو الكامل واليقين، بالقدم الراسخ والتمكين والجَنان، الثابت والخوض المتمكن في العرفان والرحمة والغفران..)).

الاثنين، 6 أكتوبر 2014

"محدث الشام العلامة السيد بدر الدين الحسني بأقلام تلامذته وعارفيه"





كان ـ من غير شك ـ من كبار أولياء الله تعالى الذين يعمرون أوقاتهم بالطاعة والذِّكر ودوام الحضور، فلم يكن للشيطان في مجالسه نصيب، وقد بايعه الشيخ المفتي سيدي محمد العربي العزوزي على الولاية لرؤيا رآها، وليته لنا حكاها ورواها، قال:« .. فناولني يده للمبايعة، ومكنني مِن تقبيلها، ولا أعلم أنه مكّن أحدا مِنْ تقبيل يده رحمه الله ».



نعَمْ، إن تقبيل يدِ مثله لشرف عظيم يُفتخَر به ويُسطَّر بمداد الاعتزاز في الكتبْ، فإنه ـ نَوّر الله مَرْقده ـ لمن نفحات الدهر العزيزة، تعْلمُ ذلك وتتيقنه حين تقرأ ما وصفه به الناعتون الذين خالطوه وعرفوه منَ الأوصاف السامية، وما أطلقوه عليه من الألقاب العالية. 

فمِن قائل إنه:« أستاذ الجميع »، ومِن مُخبر أنه:« قطب الزمان ومجدّد الأوان »، وأنه:« لم يُوجد له نظير منذ خمسمائة سنة »، وقد كان ـ حسب قول الشيخ عبد الحي الكتاني ـ:« أمّة وحده، كالبحر الطام الغطمطم الذي لا قعر له »، وكان كما قال الشيخ محمد علي ظبيان:« العلامة الأكبر، خاتمة المحدثين، ونابغة العصر»، وهو عند مفتي الديار المصرية الشيخ بخيت المطيعي:« بقية السلف الصالح » الذي « كان اسمه بدراً سطع في سماء الشرق، فاهتدى به الناس جميعا »، وهذا بعض وصفهم، لا كله.



لقد كان هذا السيد الجليل منارة يقصدها من يُحب أن ينظر بأم عينه كيف تتشكل الفضائل وتتجلى وتسطع في شخص فرد واحد، وإنك لترى كل من لقيه يعدّ يوم لقاءه به من غرر الأيام التي مرت عليه طوال عمره، وقد يحكي لك ما جرى له معه، وما دار بينهما، وما شاهده منه، بتفصيل دقيق يتذكره كأنه حصل ليلة البارحة، وما ذلك إلا لأنهم كانوا يعلمون قيمة المنظور إليه، وأن لحظات مجالستهم له لا تُقدّر بمال. 


وكما اشتهر بالتبحر في العلوم، اشتهر أيضا بالورع، والتواضع، بل كان كلمة إجماع في كمال أخلاقه وحُسن فعاله، وـ يا للعجب ـ لم تُسجل عليه مع كثرة مَجالِسه ومخالطته للناس ـ فترة حياته ـ ولو هفوة واحدة ! ولولا أننا قرأنا ما حكاه العلامة القاضي محمد علي ظبيان في مقالته عنه، عن بعض العلماء، أن الشيخ بدر الدين رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الطلب تفلَ في فمه، لتوقفنا في التصديق فيما رواه لنا الرواة عنه، إذ لم نقرأ مثله إلا عند أئمة التابعين، لكن ليس ببعيد أن يكون الخبر صِدقا والنبأ صحيحا إذا المخبََر عنه رأى مثل هذه الرؤيا العظيمة المباركة.

لقد عظّم الله قدْره في القلوب، فهابته، وأحبته، وأقبلتْ عليه، وانجذبت منقادة ـ بسلاسة ـ إليه، ليس فقط من بلاد الشام، بل من جميع أقطار بلاد الإسلام، وقد نظرتُ في المغاربة الذين حضروا دروسه أو أجيزوا منه فأحصيتُ عددا منهم، وهاك أسمائهم :
أبي شعيب الدكالي (تدبج معه)، احمد التبر بن أبي بكر الفاسي، احمد بن الصديق الغماري، عبد الله بن الصديق الغماري، عبد العزيز بن الصديق الغماري، احمد بن المامون البلغيثي، احمد بن محمد الزبدي الرباطي، احمد بن محمد العمراني، احمد سكيرج، جمال بن احمد الهواري المغربي، العابد بن عبد الله الفاسي، العباس بن ابراهيم، عبد الحفيظ الفاسي، عبد الرحمن الدكالي، عبد الرحمن بن زيدان، علي بن محمد عواد السلوي، الغازي بن محمد سباطة، محمد الطيب بن محمد المراكشي، عثمان جُورْيُو، محمد بن جعفر الكتاني الذي قال: استجزناه لنا ولأولادنا، محمد المكي الكتاني، محمد الناصر الكتاني (ت 1974)، محمد المنتصر بالله الكتاني، محمد الطيب بن محمد المهدي الكتاني، عبد الرحمن بن عبد الحي الكتاني، محمد الفقيه ابن عائشة الحداوي، محمد بن أبي بكر القادري،  الحاج أحمد معينينو السلوي، عبد الله ابن محمد بن عبد السلام ابن سودة (1)، محمد بن احمد بن عبد الله، محمد بن ادريس القادري الفاسي الجديدي، محمد بن اليمني الناصري،  وحضر الشيخ عبد الحي الكتاني درسه بالجامع الأموي، ولم يستجزه، كما حضر الشيخ العارف فتح الله البناني مجلس درسه لصحيح البخاري وأثنى عليه، والشيخ محمد الحبيب الفيلالي.
هذا ما عثرت عليه مِمّا لدي من مراجع قليلة. أما من أخذ عنه من غير أبناء بلاد المغرب الأقصى فلا يعد ولا يُحصى.

كان آخر ما أقرأهُ من الكتب ـ حسب قول الشيخ عبد الرحمن بن أبي شعيب الدكالي ـ كتاب "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، ثم انتقل إلى ديار الآخرة، والكل يرجو لو طال به العمر ومُدّ في أجله.

ليس يغيبُ عني اسم "بدر الدين الحسني المغربي"، فإن اسمه مما تُصادفه في كثير من أثبات وفهارس المتأخرين، لكن الكتاب المعنون بـ: "محدث الشام العلامة السيد بدر الدين الحسني بأقلام تلامذته وعارفيه"، والذي اعتني بجمعه وترتيبه ـ جزاه الله خيرا ـ الشيخ العلامة النسابة سيدي محمد بن عبد الله آل رشيد، يُعد أكبرَ ما قرأتُ عنه، وهو يضم مقالات تلامذة هذا الإمام الرباني الهمام التي كتبوها عنه، فنشرت في الجرائد أو المجلات، كما فيه قصائد لهم نظموها في مدحه ورثائه مما جادت به قرائحهم الأدبية ومما فاضت به قلوبهم الممتلئة حبا له، وغير ذلك من الفوائد، فمنْ يُطالعه يزداد تعظيما لهذا العالم الجليل ومحبة له، وإننا لنتقرب إلى الله تعالى بمحبة الصالحين والعلماء العاملين، ونجعلها من أفضل أعمالنا التي نرجو بها النجاة يوم العرض على رب العالمين.

كما إنه ليُشرّفنا كمغاربة أن يكون الشيخ بدر الدين الحسني أصله منَ المغرب، وأنّ والده العالم المسند من مراكش، وإن كنا نعجب كيف فات الشيخ القاضي العباس بن ابراهيم تقييد اسمه ضمن من ترجم لهم في "الإعلام"، مع أنه لقي ولده الشيخ بدر الدين وأخذ عنه، فهو يدري أصله الذي يشتهر به !
ولا أدري هل استدرك اسمه الأستاذ أحمد متفكر في مستدركه عليه أم لا ! 

لقد استقر في دمشق غير واحد من العلماء المغاربة منهم: شيخ الإسلام الإمام سيدي محمد بن جعفر الكتاني الذي هاجر إليها بأسرته، ومنهم الشيخ العلامة سيدي يوسف بن بدر الدين الحسني المراكشي وغيرهما، ووجدوا فيها راحتهم، ولقوا من أهلها كل خير، فطبيعتها خلابة، وأناسها أهل فضل، والبركة تسري في أرجائها، فنسأل الله ـ بهذه المناسبة ـ لأهل تلك البلاد الفرج والخروج من كل ضيق، والنصر على الطغاة الظالمين الذين استعلوا بغير حق وأضروا بالمسلمين، في أقرب الآجال، آمين آمين آمين.
---------------
(1) القاضي عبد الله ابن سودة، توفي رحمه الله سنة 1392هـ. ترجمته في "قبيلة زعير قديما وحديثا" (2/290).