‏إظهار الرسائل ذات التسميات فقهيات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فقهيات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 28 نوفمبر 2023

حديث ما بين قبري ومنبري


 

وأنا أطالع في عنوان "طريق الهدى" من مجلة "الفيصل"، (العدد 185، ص 58، الصادر سنة 1412/1992)، حيث يُجيب فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن سعد اللحيدان عن أسئلة قُراء المجلة، كان أول سُؤال في تلك الصفحة هو: هلْ صَحّ هذا الحديث: ما بين قبري ومنبري رَوضة من رياض الجنة ؟

فرأيته أجاب قائلا: « هذا الحديث بهذا النص وَضعه القُبُوريون، وتواتر لديهم جدا، وجعلوه سبيلا لهم إلى عبادة القبور ...»، 

إلى أن قال: « فالقوم هنا يُبدلون "حُجرتي" فيقولون: "ما بين قبري"، فجمعوا بين الكَذب والبهتان وبين الدعوة إلى الكفر وعبادة غير الله معه، ولعل أهل الديانات غير السلامية يضحكون من هؤلاء الذين يتسمون بالمسلمين وهم يعبدون القبور وأصحاب القبور مع الله، وهم يقولون بلسان الحال كفانا الشيطان والجهل تضليل هؤلاء حتى كفروا حيث جهلوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وما تقتضيه من لوازم التوحيد »  !!

وصدور هذا الكلام من هذا الدكتور شيء عجيب !

فالحديث رواه أئمة الحديث الشريف الكبار في مصنفاتهم !

فرواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط (1/192، ح 610)، قال: « نا أبو حصين الرازي قال: نا يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم به. ثم قال: لم يرو هذا الحديث عن ابن خثيم إلا يحيى، تفرد به حصين ».

وذكره في موضع آخر من نفس الكتاب (1/223، ح 733).

فهل يُعد الإمام الطبراني من القبوريين ؟

وماذا يقول عن الإمام سراج الدين ابن الملقن الذي قال في كتابه "حدائق الأولياء" (2/153): «وصَحَّ: ما بين قبري ومنبري...الحديث» ؟

فهل هو أيضا ممن يدعو لعبادة القبور حين صحح هذا الحديث ؟

ثم ماذا سيقول عن الإمام البخاري الذي روى الحديث في صحيحه لكن بلفظ: ( ما بين بيتي ومنبري..إلخ) غير أنه بَوب عليه: ( باب فضل ما بين القبر والمنبر ) ؟

ورواه الإمام مُسلم في صحيحه أيضا بلفظ: ( ما بين قبري ومنبري..) في كتاب الحج، وبوب عليه: ( باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة ).

فلمَ استعملا في التبويب كلمة: ( قبري ) عوض: ( بيتي )؟

لاشك أنهما أيضا من القبوريين الذين يدْعون للقبورية ؟!

بل قال العلامة المحدث سيدي عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله في "إعلام الراكع": « وجاء في صحيح البخاري بلفظ قبري في رواية ابن عساكر، ورواه جماعة بلفظ قبري أيضا ». فذكر منهم: البزار، وهو في "مسنده" (15/20، ح 8220)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق، وأبو النعيم في الحلية، وغيرهم.

فما شَتت الأُمّة، وزاد في افتراقها، إلا مسارعة بعض الناس ـ رغم ما لهم من علم ـ إلى تكفير المسلمين، أو اتهامهم بالبدعة، عند الاختلاف معهم! 

وما أحوج العالِم إلى التؤدة، وما أحوج الأمة إلى علماء فقهاء رحماء يحرصون على وحدة الجماعة، واجتماع الكلمة، وصفاء القلوب.

السبت، 21 سبتمبر 2013

احتفال علماء المغرب الأقصى بالمولد النبوي الشريف




للمغاربة تعلق كبير بالجناب النبوي الكريم، وهم على تعظيم يوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم على سائر الأيام مطبقون، فهو عندهم أعظم الأعياد، وأفضل الأيام، وأفخم المواسم. 

وقد كان آخر ما صَنّف العلامة أحمد ابن القاضي محمد بن أحمد اللخمي، المشهور بأبي العباس العزفي السبتي (ت 633هـ)، كتاب: "الدر المنظم في مولد النبي المُعظم"، ندَب فيه للاحتفال بالمولد الشريف، لكنه توفي قبل إتمامه، فأكمله ولده العالم الرئيس أبو القاسم العزفي (ت 677هـ) رحمهما الله. 
وللعلامة المحقق أحمد بن محمد بن الحاج السلمي (ت 1316هـ) كتاب في تفضيل ليلة المولد على ليلة القدر! 
وهو اختيار الإمام محمد بن أحمد بن مرزوق التلمساني المالكي (ت 781هـ) مِن قَبْلِه، انتصر لرأيه هذا بأزيد من عشرين وجهاً، ذكرها في كتابه: "جنا الجنتين في فضل الليلتين" . 
ووافقهما على ذلك غير قليل من العلماء السابقين والمعاصرين من المشارقة والمغاربة، كالإمام الرباني سيدي يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت 1350هـ)، والشيخ المحدث سيدي محمد الخضر الشنقيطي (ت 1354هـ) وغيرهما رحمهم الله تعالى.

ولما كان ليوم المولد الشريف كل هذا القَدْر، فقد اهتبلَ المغاربة: علماء، وحكام، وعوام، بالاحتفال به أيّما اهتبال، فأظهروا في ذلك كل مظاهر الفرح والسرور مِنْ: إطعامٍ للطعام، وكثرة البذل والصدقات على الفقراء والمساكين في السر والإعلان، وإنشاد المولديات وقصائد المديح النبوي، والسّماع الذي يُطرب الآذان، وقراءة للقرآن الذي ينير القلوب، ومدارسة كتب االشمائل والسيرة النبوية، والإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وغير ذلك ..

وقد اخترتُ أنْ أذكر هنا ما كان يصنعه بعض كبار علماء المغرب في أيام المولد الشريف، وهم: 
-         الإمام العارف المُربي سيدي أحمد بن عاشر السلوي (ت 765).
-         الإمام العارف المجدد سيدي يوسف الفاسي (ت 1013).
-         الإمام العلامة العارف سيدي علي العكاري الرباطي (ت 1118).
-         الإمام العارف المحدث سيدي محمد بن جعفر الكتاني الفاسي (ت 1345).
واقتصرتُ على هؤلاء السادة الأربعة، لإجماع المغاربة على فضلهم، واتفاقهم على جلالتهم وسُموّ قدرهم، ولجمعهم بين العلم والصلاح.
٭٭٭

* أما مفخرة مدينة سلا، وعارفها الأشهر، الشيخ سيدي أحمد بن عاشر السلوي، فقد كان - نوّر الله ضريحه- يُعظم يوم المولد الشريف ويَحتفل به، ويرى الصيام فيه غير مَقبول، إذ لا يكمل الفرح والسرور إلا بإطعام الطعام .
يَحكي تلميذه الإمام الرباني الشيخ سيدي أحمد بن عبّاد (ت 792) - عليه الرحمة والرضوان- في « رسائله: كُنتُ قديماً خرجتُ يوم مولده صلى الله عليه وسلم صائماً إلى ساحل البحر، فوجدتُ هناك السيد الحاج ابن عاشر رحمه الله تعالى وجماعة من أصحابه، معهم طعام يأكلونه، فأرادوا مِني الأكل، فقلتُ: إني صائم، فنظر إليَّ السيد الحاج نظرة منكرة، وقال لي: هذا يوم فرحٍ وسُرور، يُستقبح في مثله الصوم، كالعيد. فتأملتُ مقالته، فوجدته حقاً، فكأنه أيقظني من النوم ».

نقل هذه الحكاية شيخنا العلامة المحدث سيدي عبد الله التليدي في كتابه المُشرق: "المطرب بمشاهير أولياء المَغرب"(1)، ثم علق عليها ـ رحمه الله ـ قائلا: « وإنه كما قال، فإن المولد النبوي يُعتبر موسماً من مواسم المسلمين، وعيداً عظيماً من الأعياد، وهو من البدع الحسنة التي تشهد أصول الإسلام وقواعده باستحبابه، لأن المقصود منه هو التظاهر بما يدل على شكر الله عز وجل على ما أنعم ومنّ به علينا من إيجاد هذا النبي الكريم وإخراجه لهذا الكون، وهو الرحمة العظمى لهذا العالم صلى الله عليه وسلم »(2).
وهذا هو الحق الذي لا مِرية فيه .
٭٭٭
*  أما شيخ مشايخ المغرب، الإمام الكبير، والعارف الشهير، الذي قيل عنه أنه مُجدد قرنه، سيدي يوسف الفاسي - أعلى الله درجته -، فقد كان يحتفل احتفالا عظيما باليوم الثاني عشر وباليوم الثامن عشر من كل شهر ربيع الأول، على أساس أن يوم الثاني عشر يوم المولد النبوي الشريف كما قال بذلك ابن إسحاق واختاره، ويوم الثامن عشر يوم العقيقة !

فكان ـ كما يحكي ذلك عنه نجله الإمام سيدي محمد العربي الفاسي (ت 1052هـ) ـ : « يُرخّصُ في السّماع للمولد الشريف، فيجتمع لذلك عنده خلق عظيم، ويحضر أهل السماع الذين يحفظون مقطعات الشيخ أبي الحسن الششتري وما يجري مجراها، ويُحْكمون صناعة تلحينها دون آلة، ويُحكمون طرق تلحين الميلاديات المعربة الموزونة بأوزان الشعر العربي وما يجري مجراه، والموزونة على عروض البلد وغيره على العادة في ذلك بحضرة فاس، ويَشرعون في ذلك بعد صلاة الصبح في أول وقتها، فيبدؤون بالميلاديات، فإذا قضوا منها وطراً؛ أخذوا في الشّشْتريات وما يجري مجراها إلى قرب الزوال، وكان يرى أنه أعظم أفراح المسلمين وأعيادهم التي للسماع فيها أصل في الشرع أصيل » (3). 

وكان رحمه الله تعالى « يُطعم الناس في ذلك اليوم العصيدة: من سميد وقمح، وتُؤكل بالسمن والعسل وثريد الزِّرْمك بلحم الغنم، ومع كل قصعة منه صحن من عسل ليُؤكل به، وكثيراً ما يزاد مع ذلك الرُوزْ مطبوخاً باللبن الحليب، مأكولا بالسمن والعسل، حتى يعم ذلك الناس، ويحضر خلق من المساكين لا يحصون، فيأكلون ويحملون ما أمكن، يصنع ذلك في اليوم الثاني عشر كما تقدم ذكره، وفي سابعه أيضاً، وهو اليوم الثامن عشر على ما جرت به العادة في فاس » (4). 
٭٭٭
* أما شيخ الرباط، العلامة الكبير، العارف بالله، الشيخ سيدي علي بن محمد العكاري الرباطي، فقد قال العلامة المؤرخ سيدي محمد بن علي دينيه الرباطي في كتابه "مجالس الانبساط"(5)، أنه - نَوّر الله مَرقده- كان: « يُعظم أيام المولد النبوي، ويجمع الطلبة أسبوعاً أو أكثر، يقرأون القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم في موضع ضريحه الآن، ويُطعمهم، ويُكرمهم، وهو مُبتهج فرَحاً وسروراً بذلك » . 
٭٭٭

* أمّا المحدث الشهير، والإمام الكبير الذائع الصيت، صاحب المؤلفات البديعة النافعة، الشيخ سيدي محمد بن جعفر الكتاني، فقد كان - رحمه الله تعالى - يُعِد لليلة ويوم المولد الشريف السّنة كلّها !!

قال الدكتور سيدي محمد بن عزوز في كتابه: "المحدث الكبير العلامة السيد محمد بن جعفر الكتاني"، عند حديثه عن كرم وبذل هذا العلامة الجليل، أنه كان: « يجمع أفراحه ومواسمه ومسارّه كلها فرحاً بجدّه الرسول صلى الله عليه وسلم وتنويهاً بمولده الشريف ومعراجه المنيف. فكان يحتفلُ باليوم الموافق ليوم ولادته عليه الصلاة والسلام 12 ربيع الأول من كل سنة. 
ومن كرمه المفرطِ وجودِه الشهير؛ كان يقوم بذلك الفرح الكبير والمهرجان الشهير كل سنة، فكان يستعد للإحتفال بذلك اليوم والليلة السّنة كلها، ويشتري قناطير اللوز، وأكياس السّكّر، ويعجن آلاف الحلوى المعروفة ب"كعب الغْزَال" و"الغْرِيبَة"، ويذبح عشرات الرؤوس من الضأن، ورُبما البقر، ويستعمل أنواعاً من الأطعمة والحلويات، وتكون دعوته عمومية لا يستثني منها أحد: الأشراف والحكام على اختلافهم، والعلماء بطبقاتهم، وسائر أهل البلد من العامة والضعفاء والمساكين وسائر الطبقات، ويستدعي سائر منشدي البلد والمتعاطين لمدح الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحاب الأصوات الحسنة والحفظ للبردة والهمزية ونحوها. فيستغرقون الأوقات في إنشاد البردة والهمزية والبغدادية مخللا بكلام ابن الفارض وأمثاله، في أنواع الطيب والعود القماري، وماء الورد والزهر.
ثم تُسْرَدُ قصة المولد الشريف، فإذا وصل القارئ لمحل القيام يقوم ويقوم معه سائر الحاضرين، ويحصل للناس من الأنس والفرح ما لا مزيد عليه. وكان يكره في ذلك قول الملحون أو الإتيان بتلك الألفاظ الركيكة وينهى عن ذلك .
وكان يقوم بخدمة الزوار بنفسه وأولاده ومَن أطاعه من أقاربه وخاصته في خشوع وفرح وخضوع، ويمضي في هذه الحالة ليلة المولد ويومه، والناس على اختلاف طبقاتهم يتواردون متبركين مستمدين ... لا يكاد يترك هذا الاحتفال بالمشرق والمغرب إلا لمانع قهري » (6). 

بل كان ـ جدد الله على قبره الرحمات ـ لشدة تَعلقه بالجناب النبوي الشريف، « في بعض السنين أيضاً يستعمل حفلة المديح النبوي كل جمعة بعد صلاتها، يستدعي جماعة من المنشدين أهل المديح النبوي، ويحضرها من شاء من جميع المعارف والأحباب والملازمين، فتقرأ البردة والهمزية، ويبقى ذلك إلى نحو العصر، ثم تُمد موائد الطعام والشراب، فيأكلون ويشربون ثم ينصرفون قرب صلاة المغرب، دعوة عامة كل جمعة » (7).
٭٭٭
فهذه بعض من مظاهر اهتبال أعلام علماء المغرب الأقصى بالمولد النبوي الشريف، ولو أننا أردنا تتبع ما كان يصنعه غيرهم من الحكام، والفقهاء، والعلماء، والعارفين، لصارت الورقات كتاباً حافلا، لكن في الاختصار غنية عن الإطالة لمن هداه الله تعالى للرشاد.

 قال ابن زمرك رحمه الله:
.
يا مصطفىً وكِمام الكَونِ ما فُتِقتْ * يا مجتبىً وزِنادُ النور ما قُدِحا
لولاك ما أشرقت شمس ولا قمر * لولاك ما راقت الأفلاك مُلتَمَحا
صًدعتَ بالنور تجلو كلّ داجِيةٍ * حتى تَبَيّن نهجُ الحق واتّضحا
يا فاتح الرسل أوْ يا ختمها شرفاً * بوركتَ مختتِماً قُدّست مُفتتِحا
دنوتَ للخلق بالألطاف تَمنحُها * والقلب في العالم العُلويّ ما برِحا
كالشمس في الأفق الأعلى مَجَرّتُها * والنور منها إلى الأبصار قد وَضَحا
كم آية لرسول الله مُعجزةٍ * تكِلّ عن منتهاها ألسُن الفُصحا
إن رُدّت الشمس من بعد الغروب له * قد ظلّلته غمامُ الجوّ حيث نَحا
يا نعمةً عظُمت في الخلق منّتُها * ورحمةً تشملُ الغادين والرَّوَحا
الله أعطاك ما لم يؤته أحداً * والله أكرمُ من أعطى ومن منَحا
حبيبهُ مُصطفاه مُجتباه وفي * هذا بلاغ لمن حلاّك ممتدحا

والحمد لله رب العالمين


-----------------------------
(1) "المطرب بمشاهير اولياء المغرب" للشيخ عبد الله التليدي ، صفحة : 137
(2) المصدر نفسه صفحة : 138
(3) "مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن" لأبي حامد العربي بن يوسف الفاسي ، تحقيق : د. حمزة الكتاني ، صفحة : 279-280
(4) المصدر نفسه صفحة : 281
(5) "مجالس الانبساط بشرح تراجم علماء وصلحاء الرباط" لمحمد بن علي دنية ، صفحة : 87
(6) "المحدث الكبير محمد بن جعفر الكتاني الحسني الفاسي" لمؤلفه : د. محمد بن عزوز ، الجزء الأول ، صفحة : 166-167 
(7) نفس المصدر 1/ 167

من البدع في الصلاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وآله وصحبه وإخوانه الذين يأتون من بعده.
وبعد، فهذه سطور قليلة، أتحدث فيها عن هيئة في الصلاة يعملها الكثير من الناس، تقليداً منهم لما في كتاب "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم" للشيخ المحدث ناصر الدين الألباني، وهي قبض أصابع اليَدِ كهيأة العاجن عند إرادة القيام من السجود، ولمّا صار الكثير من الإخوان يصنعها، فقد رأيتُ أنْ أكتب هذه الكلمة لعلها تكون منبهة لهم إلى ترك تلك الهيئة التي لا يشهد لها أي دليل !
٭٭٭
أصل ما استندَ إليه الشيخ الألباني رحمه الله في سنّية هذه الهيئة عنده، هو حديث: « كان يعجن في الصلاة: يَعتمد على يديه إذا قام ». قال الألباني: « رواه أبو إسحاق الحربي بسندٍ صالح، ومعناه عند البيهقي بسند صحيح ».( أنظر ص 155 من "صفة صلاة النبي"، طبعة مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ).

وهذا الحديث ضعيفٌ من جهة الإسناد.
فقد رأيتُ شيخنا العلامة المحدث سيدي عبد الله التليدي أشار -حفظه الله- في هامش (ص 299) من كتابه "إتمام المنة بشرح منهاج الجنة" عند كلامه على كيفية قيام المصلي بعد السجود وأنه يعتمد على يديه، قال: « باسطهما غير قابضهما، أمَّا حديث: كان إذا قام في صلاته وضع يده على الأرض كما يضع العاجن، فقال ابن الصلاح: هذا الحديث لا يَصحّ، ولا يُعرف، ولا يَجوز أن يُحتج به. وقال النووي في شرح المهذب (3/419): هذا حديثٌ ضعيفٌ أو باطلٌ لا أصل له. نقله الحافظ في التلخيص وأقرّه ». انتهى. 

وتكلم عليه أيضاً الشيخ حسن بن علي السقاف في "صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم"، فقال  (ص 190): « رواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث من طريق يونس بن بكير، عن الهيثم، عن عطية بن قيس، عن الأزرق بن قيس، عن ابن عمر رفعه !! ». 
ثم قال: « وقد أخطأ مَن حسّنه خطأ فادحاً، لأن الهيثم بن عمران الذي في سنده ضعيف، وذلك لأنه لم يُوثقه إلا ابن حبان، وقد خالف الهيثم الثقات الذين وقفوه ولمْ يرفعوه، كما لم يذكروا فيه لفظ العجن في "سنن البيهقي"(2/135) فلم يتابعوه بل خالفوه، وهو لا يحتمل التفرد. والراوي عنه يونس بن بكير قال عنه الحافظ في "التقريب": صدوق يخطئ. وهذا لا شك من جملة أخطائه ». 
وأشار إلى أن الشيخ الألباني نفسه أشار في "ضعيفته" (3/68) إلى أنه يُخطئ، ثم قال: « فالسند ضعيف حقيقة، ولأنه مخالف لرواية الثقات التي أشرنا إليها صار باطلا كما حكم عليه النووي في المجموع (3/442) ». 
وكان خلاصة بحثه، أنه « يُكْره أن يقبض يديه في اعتماده على الأرض حين يقوم، فلا يجمعها كالعاجن، لاسيما وأحاديث الصلاة جميعها تثبت أن الاعتماد في جميع أحوال الصلاة على اليدين إنما يكون بالراحتين أي باطن اليدين ».اهـ

بل إنه ألّف رسالة خاصة في رَدّ الحديث عَنْونها: "إبطال التصحيح الواهن لحديث العاجن".

كما ألف الشيخ القاضي بكر أبو زيد رحمه الله: "جزء في كيفية النهوض في الصلاة وضُعف حديث العجن"، ردّ فيه الحديث من جهة المتن والسند، وخلص فيه إلى أنه « لا حُجة على مشروعية هذه الهيئة »، وجعل « ترك التسنن به مدى القرون علّة قادحة »، و« أيضاً فابن قيس عاصر بعض الصحابة رضي الله عنهم غير ابن عمر رضي الله عنهما وروى عنه، وظاهر السياق على التسليم يفيد أنه ما رأى هذا العجن إلا عند ابن عمر، فكيف ترك الناس والصحابة الاستنان بها ؟ وما هذا- والله أعلم- إلا لأنها حال اضطرار، وحال ابن عمر رضي الله عنهما البدنية تدلّ على هذا وبمثل هذا علّلت بعض الأعمال ».. إلخ ما قال رحمه الله.
وقال غيره من شيوخ السلفية مثله. 
ومَن يبحث يجد ذلك.

وقد طُرِح السؤال عن هذه الهيئة على هيئة الإفتاء في موقع "إسلام ويب"، فكان جوابهم: « الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الأفضل أن يعتمد المصلي عند قيامه على ركبتيه لا على يديه إلا عند المشقة فلا حرج. وذهب المالكية والشافعية إلى أن الأفضل أن يعتمد على بطن راحته وبطون أصابع يديه دون قبض، لأن الحديث الوارد في القبض ضعيف كما في المجموع للنووي، ونصب الراية للزيلعي. وعلى القول بصحته فلا يدل على القبض كما بين ذلك ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج" قائلاً: وأن يعتمد في قيامه من السجود والقعود وللاستراحة أو التشهد على بطن راحة وأصابع يديه موضوعتين بالأرض، لأنه أعون وأشبه بالتواضع مع ثبوته عنه صلى الله عليه وسلم، ومن قال يقوم كالعاجن بالنون أراد في أصل الاعتماد لا صفته وإلا فهو شاذ. 
وذهب بعض العلماء إلى قبول الحديث وفسروا العجن بالقبض كما في صفة الصلاة للشيخ الألباني رحمه الله. والله أعلم » انتهى.

فالصواب ترك هذه الهيئة التي صارت شعار مُقلدة الشيخ الألباني رحمه الله من السّلفية، والذين جعلوها من سنن الصلاة المميزة لمن يتبع -في نظرهم- السنة الصحيحة الثابتة.
اللهم حبب إلينا السنة المحمدية، وزدنا محبة لنبينا المصطفى الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.