السبت، 26 أغسطس 2017

كتاب "الإشادة والتعريف بمن برّ أباه بالتأليف"


كمْ ممن أهمل تراث والده المكتوب فلم يهتم به، ولا فكّر في نشره، بل تركه مهملا حتى فتتته الرطوبة وأكلته الأرَضة  !
وكم منهم خلّف لهم والدهم مكتبة ضخمة، فيها رسائل فريدة، ومؤلفات مخطوطة ومطبوعة نفيسة، فباعوها جملة لأول كتبي طرق بابهم بعد وفاته، وبأبخس الأثمان !
ولو علموا أنه سيأتي زمان يؤلف فيه الشيخ سيدي محمد بن عبد الله آل رشيد كتابا يذكر فيه أسماء من: "جمع فتاوي أبيه"، ومن "جمع شعر أبيه" و"كلامه" أو "مكاتباته" و"مقالاته" و"تقاريره".. لكانوا سارعوا وبادروا إلى الإهتمام بتراث آبائهم الفكري وإنتاجهم العلمي من كتب ورسائل ومقالات.. ولطبعوها بلبنان أو الأردن أو مصر أو غيرها من البلدان، لعلها تصل إلى يده، فيَذكرهم في هذا الكتاب الذي أثنى فيه على كل من بر والده من هذه الناحية.
لقد ذكر الشيخ محمد آل رشيد في كتابه هذا ـ إضافة إلى ما أشرنا إليه سابقا ـ أسماء مَن ألفوا ـ من السابقين والمعاصرين ـ في "ترجمة آبائهم"، أو "خرّجوا لهم مَشيخات"، أو "أكملوا أعمال آبائهم العلمية"، أو "شرحوا مؤلفاتهم"، أو "حشوا عليها"، أو "نظموها"، أو "اختصروها"، فجاء جامعا للكثير من الأسماء من مختلف البلدان الاسلامية.
وقدّم له بمقدمة بيّن فيها: الغرض من تأليفه إياه، وعناوين فصول الكتاب، وأتى بوصايا عديدة لآباء أوصوا بها أبناءهم، وأتى بحكايات عن آباء بروا أولاهم بخدمة مؤلفاتهم، كالامام ثابت بن حزم الاندلسي الذي أتم كتاب ولده في شرح غريب الحديث، والفقيه صالح بن محمد التمرتاشي الذي شرح ألفية ولده في النحو..
كما زين صفحاته بوضع صور لبعض أولئك الأبناء، وصور آبائهم، مع صور المؤلفات التي ألفوها..
وفي الكتاب تنبيهات وتصويبات لأخطاء وقع فيها سادة من أهل العلم، كما تجد فيه إفادات 
نقلها واستفادها من أمثال: ولده القاضي الأديب سيدي نواف آل رشيد، وصديقه الدكتور سيدي محمد باذيب، وصديقه إبراهيم بن سعد الحقيل.. وغيرهم.
وأعجبني ما ذكره (ص 69) من استفادته تاريخ وفاة محمد ظافر الطرابلسي المدني المالكي (ت 1330هـ) من الباحث الدكتور سعيد طوله الذي صور له صورة شاهد قبره من تركيا وأرسلها له، فأثبت الشيخ محمد آل رشيد صورة الشاهد في الكتاب، وهذا شيء حسن جدا، يدل على أمانة الكاتب، وعلى اهتمام الدكتور سعيد طوله بإفادة أهل العلم ما يَستحق عليه الثناء والشكر، ولعلك إذا صنعتَ مثل ما صنعه الدكتور سعيد مع كُتاب من أبناء وطنك، لما اهتموا بالإشارة إلى من استفادوا منه ذلك، فما أسعد حظ الدكتور سعيد بالشيخ محمد آل رشيد. 
ومن الطريف، أن شيخنا المؤلف ـ حفظه الله تعالى ـ ذكر في كتابه هذا (ص 181) ولده القاضي سيدي نواف ضمن الأبناء الذين أفردوا آباءهم بالترجمة، لكونه ألف كتابا عَنونه: "في صحبة والدي"، ذكر فيه نسبه، ومولده، وأبرز شيوخه، وبعض ما استفاد منه... وهذا يدل على تقدير الشيخ لولده، وتعظيم الابن لأبيه.
وللمغاربة النصيب الوافر من التراجم في هذا الكتاب، وأول مَن ذُكر منهم فيه: محمد بن القاضي عياض الذي أفرد والده الإمام بالترجمة بكتاب عنونه: "التعريف بالقاضي عياض".
ومن المغاربة الذين ذكرهم فيه ـ أيضا ـ: صديقه الأستاذ الكاتب سيدي رضا الله عبد الوافي ابن العلامة الأديب سيدي محمد المختار السوسي، فقد ذكره في أكثر من موضع من كتابه هذا، ما أسعدنا، خصوصا وأنّ الكثير من السوسيين وغيرهم، لا يُقدرون المجهود الذي يصنعه هذا الأستاذ في طبع مؤلفات والده العلامة ـ وهي مؤلفات لاشك جد مهمة ونافعة ـ ولا يُسمعونه ولو كلمة شكر واحدة ! بل لا يذكرون له ـ عند اللقاء بهم ـ سوى ما قد يسهى القلم فيه عند الكتابة  !!
وفي هوامش الكتاب فوائد في: الأنساب، وتواريخ مولد ووفيات العلماء، وعن الكتب وما جرى لها، وغير ذلك..
وختَمه بذِكر مَن صلى إماما على أبيه بعد وفاته.
كتبت هذه الكلمة مساء يوم الثلاثاء 22 غشت 2017م، بقرية دوكادير بسوس، في موسم الشيخ العارف بالله سيدي الحاج علي الإلغي الدرقاوي فدس الله سره.


الخميس، 23 مارس 2017

كتاب: "مطالع الأفراح والتهاني وبلوغ الآمال والأماني في ترجمة الشيخ عبد الحي الكتاني"



الفوائد التي يجنيها من يُطالع المؤلفات التي تُترجم لعلماء الأمة كثيرة عديدة، فإنْ كان العالم ممن طال عمره، واتسع اطلاعه، ورحل لأجل العلم لدول ومدن شتى، وكثرت شيوخه وتلامذته، وتنوعت مؤلفاته، وصحب أهل السلوك.. فإن سيرته تكون في العادة ممتعة، وقد يُفردها أكثر من واحد بالتأليف.

ومن تلك المؤلفات التي أفردت لترجمة عالم من العلماء المغاربة، كتاب: "مطالع الأفراح والتهاني وبلوغ الآمال والأماني في ترجمة الشيخ عبد الحي الكتاني"، تأليف: العلامة الأديب الشيخ سيدي عمر بن الحسن الكتاني الفاسي، المتوفى رحمه الله بالرباط سنة 1370هـ. وهو كتاب يقع في 682 صفحة، طبع سنة 1436هـ/2015م، أفرده مؤلفه للتعريف وترجمة المسند الكبير الشيخ الشهير سيدي عبد الحي الكتاني الحسني الفاسي رحمه الله، وهو من الشخصيات المغربية التي اشتهرت في العالم الاسلامي، وانتشرت العديد من مؤلفاته في كل الأقطار.

أول ما أثارني هو كون المؤلف يقارب الشيخ عبد الحي الكتاني في السن ! وهو أيضا من تلامذته ! وهذا يدل على تواضعه، فقد جرت العادة أن يأنف الأقران عن الأخذ عن بعضهم البعض وأن يترجم بعضهم لبعضهم، وقد صدر حديثا كتاب لبعض المشايخ المشارقة ترجم فيه لعلماء إحدى العلوم من القرن الاول الهجري الى وقتنا هذا، فترجم فيه لبعض المعاصرين الذين يصغرونه بأزيد من عشر سنوات، وهذا يدل على صفاء باطنه وحسن ظنه وتواضعه..

وأوّل ما نظرته في الكتاب هو الفصل الرابع الذي يذكر فيه المؤلف بعض كرامات الشيخ المترجَم، فقد طالعت عدة مؤلفات تُرجم فيها للشيخ سيدي عبد الحي، لكن هذه أول مرة أرى من يذكر بعض كراماته، قال المؤلف عند افتتاحه كلامه عنها: ( اعلم أن للسيد الأستاذ رضي الله تعالى عنه كرامات لا تُحصى ولا تُعد ولا تستقصى، يتحدث الناس بها في كل موضع، وقد شاهدتُ منه العجب العجاب من ذلك، فكم أخبرني بأمور مغيبات وقعت كما أخبر وفي الوقت الذي ذكر، وكم أخبرني بموت أناس وبوقت وفاتهم فكان الأمر كذلك..). وقد صحب الشيخ عبد الحي عدة عارفين وأولياء صالحين يدلون الناس على الله تعالى، منهم والده، وشقيقه الشهيد، والإمام محمد بن جعفر الكتاني، وغيرهم من الأكابر، مغاربة ومشارقة، فليس بغريب ظهور بعض الكرامات على من صحب مثل هؤلاء الربانيين.

أنهى المؤلف كتابه هذا سنة 1355هـ، والشيخ عبد الحي توفي رحمه الله سنة 1382هـ/1962م، أي أن المترجِم لم يستوف سيرة الشيخ عبد الحي، ومع ذلك فمجهوده فيه كبير، فقد جمع في هذا الكتاب الكثير من النصوص، والمقالات، وشهادات العلماء، وقصائد الفقهاء والأدباء في الشيخ، وكراماته، وغير ذلك من الفوائد، ما لا تجده سوى في هذا الكتاب، ولو أنه زاد فيه ما جرى للشيخ من أحداث، ورحلات، وتأليفات، وتقاريظ، وما أثنى عليه به الأكابر، منذ تلك السنة التي أنهى فيها كتابه إلى تاريخ وفاة المترجَم، لكان حجمه يأتي في مجلدين أو أكثر.

وقد اختزل بعض الفصول واختصرها اختصارا، كالفصل الثاني الذي عنونه: ( في ذكر تلامذته وإجازاته )، حيث لم يذكر سوى إجازة الشيخ عبد الحي له، ولم يُعرّف بأي أحد من تلامذته، ولو أنه ذكر بعض أعلامهم لكان أجمل، بل قال: ( تلامذة السيد الأستاذ رضي الله تعالى عنه  كثيرون منتشرون في مشارق الأرض ومغاربها، لا يحصون، وجميع العلماء اليوم في الدنيا من تلامذته، إما مباشرة أو بواسطة أو بالإجازة، وبالأخص طلبة المغرب الذي بحواضره وبواديه وجباله وسهوله..).
وقد زيّن الأستاذ المحقق الشيخ سيدي خالد السباعي الكتاب بالعديد من صور الوثائق والإجازات والرسائل وصور للشيخ المؤلف وللشيخ عبد الحي، كما قدم للكتاب بترجمة المؤلف استقاها من مصادر مخطوطة ومطبوعة ومن مشافهات من بعض شيوخه الذين التقوا بالمؤلف، فلعلها أجمع ترجمة كُتبت عنه رحمه الله، وفي في مقدمته للكتاب فوائد عديدة..

وقدّم للكتاب بمقدمة طويلة الشيح الدكتور سيدي محمد حمزة بن علي الكتاني، تحدث فيها عن مكانة الشيخ عبد الحي، وعن أعمال البيت الكتاني عموما، والجهود الاصلاحية للطريقة الكتانية وغير ذلك..

فهو كتاب قيم، يحتاجه كل محب لهذا العلامة الشهير، وكل مهتم بفن التراجم والاسانيد والتصوف..

شيخ الجماعة العلامة سيدي محمد المكي البطاوري الرباطي رحمه الله



مِنْ علماء المغرب الذين أنْجبتهم مدينة الرباط عاصمة المغرب الأقصى: شيخ الجماعة، العلامة، الشاعر، الأديب، الخطيب، القاضي، الكريم الأخلاق، سيدي محمد المكي بن محمد بن علي البطاوري الشرشالي الحسني.
ولد هذا العلامة الجليل شهر ربيع الاول عام 1274هـ، من بيت عريق المجد، أصلهم من مدينة شرشال، فانتقل أسلافهم منها إلى مدينة الرباط.

قرأ القرآن الكريم  على والده، ثم انتقل إلى كتّاب الشيخ محمد بن احمد الرغاي، فأخذ عنه مبادئ الحساب وعدة متون..
أخذ العلم عن شيوخ الرباط، كالفقيه محمد بن عبد الرحمن التادلي، والقاضي أحمد بناني، والفقيه محمد بن إبراهيم بناني، والقاضي محمد بن عبد الرحمن البريبري، والقاضي أحمد ملين، والفقيه عمر عاشور، والفقيه التهامي بناني، والشيخ الهاشمي الزياني الضرير، ولازم كثيرا الامام إبراهيم التادلي وهو عمدته.
وأخذ عن غيرهم كالعلامة سيدي علي بن سليمان الدمناتي، وبالمدينة المنورة عن الشيخ عبد الجليل برادة، والشهاب الكسراوي..

مارس التدريس في مساجد وزوايا الرباط، ودرّس مختلف الكتب في أنواع العلوم، فاستفاد منه الكثير من أبناء العدوتين، ومن الآخذين عنه: القاضي المؤرخ سيدي عبد الحفيظ الفاسي، والعلامة العارف سيدي فتح الله البناني، والعلامة المحدث سيدي المدني بن الحسني، والشيخ المؤرخ سيدي عبد السلام ابن سودة، والشيخ الفقيه سيدي الغازي بن محمد سباطة، والعلامة العارف سيدي محمد الباقر الكتاني، والأديب المؤرخ سيدي محمد بوجندار، والعلامة الحافظ سيدي أحمد بن الصديق، وشقيقه العلامة المحدث سيدي عبد الله بن الصديق، وغيرهم من المشايخ والعلماء.

ترك عدة مؤلفات، منها: تعليق على ألفية السيرة للعراقي، تقييد في ختم الموطأ، الدروس الحديثية في المجالس الحفيظية، معراج الراقي لألفية العراقي، شافية الدجم على لامية العجم، تقييد مختصر بشرح منظومة البيقوني في علم الاثر، كتاب التنصيص على شواهد التلخيص في علوم البلاغة، شرح الأرجوزة الفائقة المستعذبة الرائقة فيما يحتاج الأتاي إليه ويتوقف شربه وإقامته عليه، وهذه المؤلفات كلها مطبوعة، وله غير ذلك.

وبعد حياة حافلة بالعطاء العلمي، توفي بمدينته الرباط شهر محرم سنة 1355هـ/1936م.
ترجم له العديد من العلماء في مؤلفاتهم التي يُعرّفون فيها بشيوخهم، وأفرده بالترجمة الشيخ العلامة سيدي عبد الله الجراري، والكل يُثني عليه ويُشيد بعلمه ويَرفع من شأنه ويشكر أخلاقه وآدابه وتواضعه وجميل سيرته..

وذَكر لي أحد الأفاضل أنه حين كان صغيرا رأى هذا الشيخ الجليل، وأراني بيته بالرباط، وهو ممن العلماء الذين أحبهم للطفه، وأريحيته، وجميل أخلاقه، ولما قيل فيه من الثناء العطر.. وقد رأيته يوما في المنام دَخل عليّ في غرفة كنتُ أتكئ فيها، وكان يلبس جلبابا أبيض ويضع على رأسه عمامة بيضاء، فقمتُ إجلالا له، فعانقني وعانقته، وقلتُ له ورأسي على كتفه أُعبر له عن حُبي له: "أَسِيدي المْكِّي، رَاكْ عْزِيزْ عْلِيا، أَسِيدي المِكِّي، راكْ عْزِيزْ عْلِيا".

فنسأل الله أن يجدد على قبره الرحمات، وأن يُعلي له الدرجات، وأن ينوّر مرقده، ويغفر له..

السبت، 25 فبراير 2017

عن كتاب : نغبة الظمآن لأبي حيان الأندلسي.


لا يسعك إلا أن تشكر هؤلاء الذين يهتمون بتحقيق تراث علماء الأمة والعناية به وإخراجه من عالم المخطوطات الى عالم المطبوعات، فليس ذلك بالأمر السهل، إذ يحتاج لجهد عظيم، وبحث طويل، وصبر وبذل..
ومن المؤلفات التي تُنشر لأول مرة، كتاب: "نُغبة الظمآن من فوائد أبي حيان" لأبي حيان الأندلسي، العالم الإمام النحوي المقرئ المفسر، المشهور المعروف، صاحب "البحر المحيطّ" رحمه الله تعالى، اعتنى بتحقيقه: الشيخ الأستاذ سيدي خالد السباعي جزاه الله خيرا، ونشرته سنة 1436هـ/2015م دار الحديث الكتانية.
وقد قدم الشيخ المحقق للكتاب بمقدمة مهمة في أزيد من 60 صفحة، مما ذكره فيها:
ان هذا الجزء النفيس لابي حيان كان من النوادر التي تزخر بها خزانة الشيخ سيدي عبد الحي الكتاني رحمه الله ضمن مجموع جلبه من بيروت عام 1351هـ، وأن المؤرخ عبد الله الجراري ذكر في "رحلته الربيعية لفاس" أنه رآه في خزانته..
ثم أتى بترجمة لأبي حيان اقتطفها من كتاب "أعيان العصر" للامام الصفدي، وهي طويلة، أثارني فيها كثرة شيوخه، ونعته بأمير المؤمنين في النحو، وأنه خدم علم النحو مدة تقارب الثمانين، وما ذكره عن ميله لأشعار العشق والشجاعة وعدم تأثير أشعار الكرم عليه ! وأنه كان يفتخر بالبُخل كما يفتخر غيره بالكرم ! وأنه كان يعيب على مشتري الكتب ! وما أعجب ما وصفه به الامام الصفدي في الاستدعاء الذي كتبه إليه، وما أغرب جواب شيخه الأندلسي عليه..
ثم ذَكَر المحقق بعض مصادر ترجمة هذا الامام، وما فيها من الفوائد، وعرّف بالكتاب ومضمونه، واهتمام العلماء بأخذه عنه، وتاريخ تأليفه، وكتب التاريخ والطبقات وغيرها التي استفادت منه أو رفعت إسناده اليه..
وأما مضمون الكتاب فهو انتقاء لبعض مرويات المؤلف، من أحاديث يرويها بإسناده، وأشعار وقصائد له أو لأندلسيين، وأقوال في الجرح والتعديل، وغير ذلك، منها ما رواه (ص101) عن أبي محمد علي بن أحمد اليزيدي الحافظ أنه قال: ( ما أضر على العلوم وأهلها من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدّرون أنهم يصلحون).
وفي تعليقات الأستاذ السباعي الهامشية على الكتاب أيضا فوائد وتعريفات وتنبيهات جميلة، كقوله (ص86) نقلا عن الوادي آشي أن عبدالله بن محمد بن هارون الطائي اختلط آخر عمره فهو مما يُستدرك على كتاب "الاغتباط" لسبط ابن العجمي وكتاب "الكواكب النيرات" لابن الكيال، ونقله عن نسخة لمعجم المؤلف في مِلك شيخه نظام اليعقوبي البحريني، ذكر فيها أنه سمى بنتا له بنضار للمرة الثانية بعد وفاته ابنته التي رثاها بكتابه "النضار في المسلاة عن نضار"..

عدد صفحات الكتاب: 139.

الاثنين، 10 أغسطس 2015

كتاب أم الطلبة



صدر حديثا للأستاذ الكاتب السيد رضى الله عبد الوافي ابن العلامة الأديب الوزير سيدي محمد المختار السوسي، بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة السيدة والدته: الحاجة الشريفة للاّصْفية بنت إبراهيم التازروالتي رحمها الله، كتاب في ترجمتها عَنْونه: " أم الطلبة "، تحدّث فيه عن والدته: نسبها، مولدها، سيرتها، وهواياتها، وما عُرف عنها من أخلاق كريمة طيبة.. كما تكلم فيه عن مجريات احداث زواج والده بها، والذي كان اقترَح عليه كبار العلماء ـ كالشيخ أبي شعيب الدكالي ـ وبعض وجهاء مراكش بناتهم فلم يقع اختياره إلا عليها، وذكر فيه مراحل حياتها متنقلة مع الشيخ زوجها بيْن: مراكش حيث مدرسة الرميلة، فكانت تعتني فيها بإكرام طلبتها وضيوف زوجها السادة العلماء والأدباء وغيرهم من الفضلاء، ثم مرحلة إلغْ، حيث نُفيتْ معه بسبب مواقفه الوطنية، ثم ما بعد النفي، حيث عادتْ رفقته إلى مراكش، ثم للدار البيضاء، وكان الاستقرار أخيرا بعد الاستقلال بالرباط العاصمة، وبها كان مرقدها غير بعيد عن مرقد زوجها.

قدّم للكتاب الدكتورة آمنة الراضي التي حصلت مؤخرا على الدكتوراه من كلية الآداب بأكادير في موضوع "الرؤية النقدية عند محمد المختار السوسي بين التنظير والتطبيق"، فكان من جميل المناسبة أن يكون من يُقدم لكتاب يتحدث عن سيدة سوسية جليلة سيدة كريمة من أبناء سوس أيضا.

وفي آخر الكتاب شهادات لستة من الشخصيات التي عرفت السيدة والدته، وخالطتها، أو نالها من إحسانها وكرمها، منهم بعض تلامذة والده الذين درسوا في مدرسة الرميلة: الشيخ الفقيه رئيس إحدى المجالس العلمية بالدار البيضاء سيدي حسن الأمين، والشيخ الفقيه خريج جامعة ابن يوسف بمراكش سيدي محمد المعتمد، وقد كنتُ رافقته حين سجل شهادتهما بالدار البيضاء، فرأيتُ كيف يكون توقير العلماء الأجلاء الفضلاء لشيخهم الذي اعتنى بهم، وكيف هو شوقهم له، وكيف هي محبتهم له، وتسمع من أحدهم يقول أنه صاحب الفضل عليّ، وأنه لا يزال يرى الشيخ في المنام المرة بعد المرة على حالة نورانية عالية.. 
كما أتى فيه بشهادة الدكتور محمد خليل وشهادة زوجته، والسيدة مينة الحاج السليماني، وأتى بكلمة للأستاذ عبد الله السعيدي عضو جمعية علماء سوس، وختام صفحات الكتاب تقريظ للأستاذ سمير الوناسي المراكشي.

يجد القارئ في الكتاب نقول كثيرة من مؤلفات العلامة سيدي محمد المختار السوسي، المطبوع منها والمخطوط، كما يجد فيه العديد من الوثائق المتنوعة، وصور للعديد من رسائل التعزية فيها وغير ذلك.
فجاء مؤلفا لطيفا، ممتعا، ينضاف إلى قائمة الكتب التي أفردها علماؤنا الأجلاء في ترجمة أمهاتهم، كالشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني الذي له كتاب : "ترقية المريدين بما تضمنته سيرة السيدة الوالدة من احوال العارفين" (1)، والشيخ القاضي سيدي احمد سكيرج الذي ألف: "الغنيمة الباردة في ترجمة سيدنا الوالد وسيدتنا الوالدة"، والشيخ المحدث سيدي محمد الباقر الكتاني له صنف كتاب: "صيد المآثر الشاردة في ترجمة السيدة الوالدة" (2).

فهنيئا للأستاذ المؤلف سيدي رضى الله عبد الوافي على هذا الإنتاج الجديد الذي يدل على بُروره بوالدته، والذي لاشك سيُفرح أهل سُوسْ ونساء سوس، وسيُضيف الكثير عن سيرة شيخ الجماعة بسوس العلامة الوزير سيدي محمد المختار السوسي، ويُبرز دور ومكانة زوجته التي كان يحبها ويعتز بها في مسيرته الحياتية الحافلة الناجحة.


-------------------------------
1) مطبوع، نشر سنة 2007 م.
2) التأليف ونهضته بالمغرب (ص 117)

السبت، 11 يوليو 2015

الشيخ الدكتور سيدي محمد أبو بكر باذيب




في  شهر ماي سنة 2014م رأيتُ فيما يرى النائم أنني قصدتُ فندقا وأنا أحملُ في يدي قُفة مليئة بـ "مجلة العربي" أريد أن أهديها للشيخ الدكتور سيدي محمد أبو بكر باذيب، وحين دخلتُ الفندق رأيتُ الشيخ ينزل الأدراج وهو يحمل قفة مثلها ممتلئة هي أيضا بمجلة العربي كيْ يُهديها إليّ.
ما كنتُ أظنّ أنه سيأتي اليوم الذي ستتحقق فيه الرؤيا، فألتقي في بالشيخ وأجالسه وأكلمه مباشرة، لكنْ ذلك ما حصل صبيحة يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، وسبحان الله تعالى القائل: ( وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ).


فقد استدعت الطريقة البَصيرية العديد من رجال العلم والفكر والتصوف للحضور للمشاركة في الندوة العلمية التي عقدتها في مقر زاويتها ببني عياط بأزيلال، يومي الثلاثاء والأربعاء 18-19 شعبان 1435هـ، الموافق لـ 16-17 يونيو 2014م، وكان الشيخ الدكتور سيدي محمد باذيب ضمن العلماء الذين استُدعوا لكي يفيدوا بعلمهم، وكانت مداخلته تحت عنوان: "دور صوفية اليمن وحضرموت في تعزيز الأمن والاستقرار".


في صبيحة يوم الثلاثاء، وبينما أنا أنتظر في محطة الطاكسي ظهور إحداها كي أركبها تقربني إلى حيث الموعد مع الشيخ سيدي محمد باذيب، إذا بصديق من أيام الدراسة لم ألتقه مُنذ مدة طويلة كُنيتُه "جَمالي" يُلقي عليّ السلام والتحية، فتفاءلتُ به، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل بالأسماء الحسنة، وكان « يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع يا راشد، يا نجيح »، فقلتُ: "إنْ شاء الله يكون هذا اليوم من الأيام الجميلة".

وحين تأخرت الطاكسي ركبتُ الحافلة، وبينما هي تسير إذا بهاتفي النقال يرنّ، ففتحته أنظر ما الخبر ؟ فرأيتُ رسالة تظهر فيها صورة هدية كُُتب فوقها بالانجليزية كلمة وهي: "birthday"، فاستغربتُ كثيرا، فليس اليوم ذكرى مولدي ! ثم أغلقته وقد ازددتُ استبشارا، وحين بلغتُ الفندق، وبينما أنا أنتظر نزول الشيخ منْ غرفته؛ إذا بالهاتف يرن مرة أخرى، وإذا بنفس الرسالة تظهر من جديد، فقلتُ في نفسي: "نعَمْ، قد فهمتُ ما ترْمي إليه، إنّ يوم اللقاء بأهل العلم والفضل ليُعد منَ الأعياد"، ألمْ يقل العلامة الوزير سيدي محمد المختار السوسي رحمه الله تعالى:


        بُشرى قد انتظم الياقوت في الجيد  *   أليس يـوم اجتماع الشمل بالعيـد
        اليـوم  تـرقـص  بالأفـراح  أفئـدة  *   نشوى فترسل من شتى الأناشيد (1)

بالبشر استقبلني الشيخ، وبعد المصافحة والعناق، شاركته إفطاره، وأهداني ـ جزاه الله خيرا ـ بعض ما ألّفه مما كنتُ أتشوق كثيرا لحيازته وقراءته، وأهديته أنا بدوري رسائل صغيرة كنتُ أحملها في محفظتي، وأظن أنّ أفضل هدية تُقدمها لعالم هي الكتب، فإن لها في قلوب العلماء مكانة، وإليها يشتاقون . 
قال العلامة الأديب سيدي محمد المختار السوسي رحمه الله:

كتبي فلا عيش لي من دونها، أوَلمْ * تدْروا بأن ليس إلا الكتب ملتحدي
فالكتب سـؤلـي وأمالـي ومنتعـشـي * وأنْـس قلبـي ومنها وحـدها جلـدي
فحـبـهـا     خامـرت     بـشاشـتـه * ما كان بيـن شراييني وفي غـددي
   بها مزاجـي وتمييـزي، فإن ذهبـتْ * تـذهـب بتمييـز ما بالـيـوم أو بغـد (2)

ومنْ سعادتي أنه دعاني لمُرافقته لزيارة الشيخ الجليل العلامة سيدي إدريس بن الإمام محمد بن جعفر الكتاني، فتبركتُ بتقبيل يد ورأس الشيخ سيدي إدريس، ومتعتُ ناظري بمشاهدة مُحياه الكريم، فإنه حقا لمن بركات مدينة الرباط عاصمة المغرب الأقصى.

ثم قصدنا جنة العلماء، ألا وهي المكتبات، حيث يسترخصون إنفاق الأموال المحبوبة بسخاء كبير، وفي مكتبة "الألفية الثالثة" التقينا بصاحب الابتسامة الصافية، الشيخ الخطيب الداعية، سيدي الحسن بن علي الكتاني، فازداد اللقاء صفاءا وبركة، ثم رافقتُهما إلى "مكتبة دار الأمان"، بعدها أضافنا الشيخ سيدي الحسن الكتاني على شرب العصير، وكان برفقتنا أحد أشقائه الكرام، فازداد اللقاء حلاوة، بعدها حملنا بسيارته إلى الفندق، ومنه إلى حيث تنتظر الشيخ سيدي محمد باذيب حافلة صغيرة للمسافرين "mini bus" تحمله إلى قبيلة بني عياط حيث الندوة الدولية.

هي ساعات قليلة أمضيتها مع الشيخ الدكتور سيدي محمد باذيب، لكن البركة فيها كانت كبيرة، وقد مَرّ على اللقاء به أسبوع كامل، ولازِلتُ لليوم أتذوق طعم حلاوة ذاك اللقاء.

فيا أهْل اليمَن، إنّ لديكم من أهل العلم سادة كرام أفاضل أخيار، إنْ لم تعرفوا لهم قدرهم وفضلهم فإن في بلاد المغرب الأقصى من يعرف لهم مكانتهم، ويفرح بلقائهم، ويتمتع بإمضاء الساعات معهم، ويعدها من المغانم الغالية، بل يرى يوم اللقاء بهم يوم عيد، منهم الشيخ الحبيب الدكتور المحقق سيدي محمد أبو بكر باذيب.
----------------------------
1) "معتقل الصحراء" (1/ 81).
2) "معتقل الصحراء" (1/ 38)

الجمعة، 12 يونيو 2015

كتاب "ألقابُ الأسَر"



ذكر الإمام احمد المقري التلمساني في "أزهار الرياض" يُبين أسباب التأليف عند السادة العلماء:« رأيتُ بخط بعض الأكابر ما نصّه: المقصود بالتأليف سبعة: شيء لم يُبق إليه فيؤلف، أو شيء ألف فيكمل، أو خطأ فيصحح، أو مُشكل فيُشرح، أو مطول فيختصر، أو مفرق فيُجمع، أو منثور فيُرتب » (1). وكتاب: "ألقاب الأسر" جمع فيه مؤلفه الشيخ المُسند النسّابة سيدي محمد بن عبد الله آل رشيد ما تفرّق في غيره مما يخص ألقاب الأسَر، وشرْطهُ فيه أنْ تكون تلك الألقاب « عُرف سببها، وسَرتْ على العقِب » (2).


وإنه لكتاب مُمْتع، كثير الفائدة، وكيف لا يكون كذلك وقد استقى مؤلفه مادته مما يزيد على 480 مرجعا، منها المطبوع، ومنها المخطوط، ومن مجلات، وجرائد.. 



كما اعتمدَ فيه إفادات شيوخه له، ومن أولئك المشايخ من هم اليوم قد توفوا وانتقلوا إلى ديار الآخرة، نذكر منهم من أعلام قطرنا المغربي: المؤرخ عبد الوهاب بن منصور، والدكتور عبد الهادي التازي، والموسوعي عبد العزيز بن عبد الله، والدكتور عبد السلام الهراس. فحفظ لنا الشيخ المؤلف إفاداتهم حية بين ثنايا كتابه هذا، رحمهم الله ورضي عنهم.



كما نراه أيضا ينقل فيه ما استفاده ـ في الموضوع ـ عن أصدقائه (3)، فليس هو ممن يُنكر الفائدة ولا يعزوها إلى أصحابها إن كانوا من أقرانه، إذ تلك طريقة من أخطأ سُلّم الارتقاء إلى المعالي، وأصدقاءه ـ ما شاء الله ـ كُثر، ثم إنه يُطلق على كل واحد منهم من الألقاب ما يبرز مكانتهم وفضلهم، ويَشكرهم...



ومنَ اللطيف أنه استْشهد بإبنه القاضي الأديب السيد نواف، نَقل عنه ما رواه عن الشيخ العلامة محمد علي نزيل دبي، وذلك عند حديثه عن سبب لقب "سلطان العلماء" (4)، وهذا يدخل في باب رواية الآباء عن الأبناء، وللحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تأليف مستقل في هذا النوع من أنواع علوم الحديث.



وتجد العديد من أسباب ألقاب تلك الأسر استفادها الشيخ المؤلف ـ حفظه الله ـ من بعض أبنائها، ما يجعلك تظن أن الشيخ يسأل كل من يلتقيه عن "الاسم وتوابعه" (5).



ومما يجَب أنْ لا يُهمله المُطالع للكتاب؛ تلك التعليقات التي يُثبتها المؤلف في الهوامش، فكم فيها من لطائف، وتنبيهات (6)، ومباحث، وحكايات، وتصحيحات، وتعقيبات على ما كتبه الشيوخ والعلماء في مؤلفاتهم، وفوائد كثيرة متنوعة في الحديث، والتراجم، واللغة، والفقه، والتاريخ، وعن الكتب المخطوطة وأماكن تواجدها، وعن المؤلفات في موضوع مُحدد..



ثم إنه وَسّع دائرة الحديث عن ألقاب الأسر لتشمل مختلف الدول العربية، فتجد فيه الأسر المغربية، واليمنية، والشامية، والمصرية، العراقية، وغيرها من الدول..

كما تجد فيه الحديث عن ألقاب الأسر الشيعية، والمسيحية: المصرية واللبنانية..


وقد افتتح كتابه ببيان سبب تأليفه له، ومنهجه فيه، ومعنى اللقب في اللغة والاصطلاح، والآداب الشرعية للتلقيب، والألقاب في القرآن الكريم وفي السنة المشرفة، وتحدث عن تنوع أسباب الألقاب والنِّسب، وعن شخصية الملقَّب وأثرها في وقع اللقب، وأنه لا اجتهاد في أسباب الألقاب، وأنها في الغالب ليست على ظاهرها، وأعطى أمثله على من لقّب بصنعة أو مهنة وهو لم يتعاطاها البتة، وهو عنوان لطيف، أو من نُسب إلى بلد أو موضع وهو ليس منه، وما جاء في الألقاب على ضد معناه، وعلى عناية أهل العلم بمعرفة أسباب الألقاب، وأتى بنماذج مما ألفه العلماء في الألقاب، ولطائف متفرقة.



وختمه بتتمات مشوقة، ومُلحق. 

أما التتمات فذكر في الأولى من نُسب إلى كتاب، وفي التتمة الثانية من جمعَ حديث راوٍ أو أكثر الرواية عنه فلُقبَ به، وفي التتمة الثالثة معنى لقب شيخ الإسلام.
وأما الملحق فهو عبارة عن مقال للأستاذ السيد شحاتة عنوانه: "فلسفة الأسماء"، نشر بمجلة الرسالة سنة 1357هـ/1938م، وهو أيضا ممتع.


لقد انتفعتُ بمطالعة هذا الكتاب القيّم، واستفدتُ منه الشيء الكثير مما لم أكنْ أدْريه وأعلمُه، فجزى الله مؤلفه الشيخ المسند النسابة سيدي محمد آل رشيد خير الجزاء على هذا الإنتاج العلمي النافع الذي أتحفنا به.

والحمد لله رب العالمين.
-------------------
1) "ازهار الرياض في اخبار عياض" (3/35).
1)  "ألقاب الأسر" (ص 7).
3)  من الجميل أنه ترجم في سطور (ص 209) وفي (ص 276) لبعض أصدقائه يُعرّف بهم.
4)  (ص 357).
5) من المسلسلات الحديثية: مسلسل السؤال عن الاسم وتوابعه.
6)  ومما نبه عليه المؤلف: أخطاء وقعت له في بعض كتبه المطبوعة، كما في (ص 286)، و(ص 288)، و(521).