ذَكَر الأستاذ المؤرخ خير الدين الزركلي رحمه الله تعالى، في ترجمة شيخ الطريقة الناصرية، الولي الشهير، الإمام الفقيه المُدرس الأديب سيدي مَحمد بن محمد بن ناصر الدَّرْعِي (ت 1085هـ)، أنه ( كان ينام مع أهله على التُّراب لضعف ما له عن شراء حَصير أو فِراش، وأَهدى إليه أحد تلاميذه حصيرا فآثر وضع كُتبه عليه ) !
وهي حكاية استوقفتني وأنا أقرأ ترجمة هذا الإمام العارف
النبيل، وصرت أتأملها وأتعجب منها ! ثم وجدتُ المؤرخ سيدي محمد
المكي الدرعي (ت 1180هـ) ذكرها بأبسط من ذلك في كتاب "الدرر المرصعة" ،
وبيّن مَن أهدى للشيخ تلك الحصيرة..
قال رحمه الله: ( وصَبر غاية الصبر في مَعيشته وكِسْوته،
وكان ينام مع أهله على التُّراب لعدم ما يشتري به حَصيرا يفرشه، وربما فرش ليفا أو
جَريد نخل، وقد أرسل إليه تلميذه الأجل سيدي منصور ابن أحمد الترسوتي حصيرا، فآثر
وضع كُتبه عليه على نفسه وحشمه رضي الله عنه، وربما تقوَّت هو وأهله من مُدّ شعير
أياما ).
وهذه الحكاية تدل على واقع ذاك الزمان، وأن الفقر كان منتشرا،
وحالة الناس في تلك الفترة كانت صعبة، على أهل العلم وغيرهم، فإذا كان شيخ الطريقة
الذي اشتهر اسمه ويقصده طلاب العلم والمعرفة من مناطق مختلفة، لا يجد ما يشتري به
سريرا ينام عليه هو وزوجته، فكيف يكون حال غيره !
كما تدل على ما كان يتمتع به أبناء تلك الحقبة من
الأخلاق الحسنة السامية، كالصبر الذي هو شطر الإيمان، وتتعجب كيف أن زوجته لم تطلب
منه الطلاق، بل صبرتْ هي أيضا على شظف العيش وبقيَتْ تعيش معه ! بينما تجد المرأة
اليوم متزوجة بوَزير أو أمير، أو ثري له مال كثير، وتعيش معه في منزل واسع فيه كل
ما يلزم من الأثاث ووسائل الراحة، ومع ذلك تشتكي لأقاربها وصديقاتها وتتبرم، وتندب
حظها ولا تحمد ربها !
وقد تَصبر المرأة على الزوج الفقير إذا كان هينا لينا، وقد
تطلب فراق الزوج الثري الغني المشهور إذا كان قاسيا جافيا.
أما الإمام ابن ناصر، فقد كان زينة قرنه، وشمس أوانه، كاملة
أخلاقه، جميلة صفاته.. ونقرأ لأبي سالم العياشي تلميذه ينعتُه، بأنه كان: ( ألين
أهل زمانه عَطفا، وأشدهم لله خوفا )، فمن كانتْ حاله كذلك فإنك تفرح بالقرب منه
وتستحي أنْ تبتعد عنه.
وحين تَقرأ هذه الحكاية، وترى الفراش الوثير الذي تنام
عليه، والوسادة اللينة التي تضعها تحت رأسك حين تنام، فإنك تُقبل على حَمد ربك بلسانك
وقلبك، وتستحي أن تشتكي لعباده مهما كان وضعك.
كما تُرشدك الحكاية إلى شدة عناية هذا الإمام الجليل بكُتب
العلم، وتعظيمه لها، فلَمْ يقبل أنْ ينام هو وأهله على الحصير وتبقى الكُتب
العلمية التي فيها الخير الكثير تباشر التراب ! وقد قال الزّركلي في
ترجمته أنه (عني في أول أمره بجمع الكتب: نَسخا بخطه وشراء، وتصحيحا ومُقابلة، مع
كتابة الفوائد على حواشيها وطررها، على ضيق المعيشة ).
وكم من الناس شغلهم حب الكتب عن التمتع بملذات الحياة،
فلا يشترون ما يشتريه الناس، ولا يسافرون إلى حيث يسافر الناس، بل لذتهم ومُتعتهم
هو حين يدخلون المكتبات، ويقتنون منها كل جديد نافع.
ثم تعجَّبْ معي كيف أنَّ الله تعالى خلّد اسم تلميذ هذا
الإمام الذي أهدى له تلك الحصيرة ! وهي حصيرة لاشك كانت
صغيرة، إذْ لَم تتسع لتكون محلا للكتب وفي نفس الوقت لينام عليها الشيخ وزوجته، أو
قد تكون واسعة، لكن كُتب الإمام كانت كثيرة،
وهو عمل إذا نظرنا إليه بمنظار هذا الوقت، نجده لا يستحق
أنْ يُذكر أو أن يَفتخر به الإنسان أو يُسطر، فما هي إلا حصيرة، ولو أنها كانت
زربية فاسية أو مراكشية أو رباطية.. لقلنا أن الأمر يستحق !
ومع ذلك فإننا نقرأ اسمه في "الدرر المرصعة"، ونشعر
بالامتنان له، بل نغبطه لما قام به.. ولاشك أن هذا من صدقه وإخلاصه، وعلامة على محبته
الفائقة لشيخه، والهدية تدل على المحبة، ومحبة الأولياء من الأعمال القلبية التي
ترفع صاحبها عند رب العالمين.