الخميس، 4 يوليو 2019

حرق الكتب وإغراقها..؟!!




كتاب لطيف، موضوعه طريف، ذكر فيه مؤلفه أسباب حرق العديد من العلماء لمؤلفاتهم، أو أُحرقت بغير إرادتهم، كما ذكر من دَفن مؤلفاته، أو غَسلها، أو أغرقها، أو مَحى ما كتبه..

قال يبين سبب تأليفه له: ( قصدتُ من هذا البحث الترويح على القراء ببعض لطائف العلماء وأخبارهم مع كتبهم، مما يؤكد على أهمية الحفاظ على الكتب وصيانة المكتبات ورعايتها من التلف، وقديما قيل: لا تجعل كتابك بوقا ولا صندوقا، فإن الكتب هي مفتاح الثقافة، ومصدر المعرفة، ومنبع الحكمة، ومنهل الأخلاق ).

فذكر من الذين احتَرقتْ مكتباتهم: الإمام الخرقي الحنبلي، لما هاجر إلى الشام أودع كتبه في درب سليمان ببغداد، فاحترقت الدار التي هي فيها واحترقت جميع الكتب. وعبد الله بن لهيعة المصري، احترق منزله فاحترقت كتبه. وعُروة بن الزبير احترقت كتبه يوم الحرة، وكان يقول: ( وددت لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي ). والشيخ حمد الجاسر (ت 1421هـ)، احترقت مكتبته ببيروت، وتزامن ذلك مع وفاة ابنه في حادث سقوط طائرته المتوجهة إلى هولندا، قال المؤلف: ( سمعت الشيخ الجاسر في محاضرة عامة يقول: لفقد كتبي أشد على نفسي من فقد ولدي )..

ومن الذين حُرِّقتْ كتبهم: ابن حزم الأندلسي، وحُجة الاسلام الغزالي، والصاحب ابن عبّاد، وغيرهم..
وأما الذين غُرقت كتبهم، فذكر منهم: الإمام القطيعي الحنبلي البغدادي، وابن الدهان النحوي، وابن هشام النحوي.

وذكر من الذين أَحرقوا كتبهم: الحسن البصري، أحرق كتبه ولم يترك سوى صحيفة أذِن لولده بروايتها عنه. وعروة بن الزبير، ذكر ولده أنه أحرق كتبا له فيها فقه، ثم ندم على ذلك. وجمع أبو سليمان الداراني كتبه في تنُّور وسجّرها بالنار. وغيرهم..

ومن الذين دفنوها: الولي الزاهد داود الطائي. والإمام الذهلي، دُفنت كتبه بعد وفاته. والإمام الشهير سفيان الثوري الذي أوصى بدفنها وحرقها. والعابد الزاهد يوسف بن أسباط، الذي حَمل كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه، وسد بابه، فلما عوتب على ذلك قال: ( دلّنا العلم في الأول، ثم كاد يضلنا في الثاني ). والعلامة محمد بن الأمين الشنقيطي (ت 1393هـ)، فقد ألف قبل البلوغ كتابا في أنساب العرب نظما، ثم دفنه بعد البلوغ لأنه كان ألفه على نية التفوق على أقرانه، وقد لامه شيوخه على ما صنع. وغيرهم..

وذكر من الذين غسلوها: الإمام الحافظ شعبة بن الحجاج، والإمام الزاهد أحمد بن أبي الحواري، والإمام المجدد جلال الدين السيوطي، وغيرهم..
وذكر من الذين مَحوها: التابعي الكبير عبيدة السلماني، وخالد بن مهران الحذاء البصري.
وختم تأليفه هذا بذكر من تَعفَّنتْ كتبه، ومن قرض الكتب، ومن خَرقها.
الكتاب طبع سنة 1423هـ/2002، وعدد صفحاته: 53.

إعارة الكتب ؟!




للكتاب قيمة كبيرة عند العالِم، فهو خير جليس ـ يُستفاد منه ـ في الخلوة، وأفضل مؤنس في الجلوة، لذلك قد يبذل لشرائه الكثير من المال، وقد يسافر لحيازته إلى مكتبات قريبة وأخرى توجد في مدن بعيدة، فتكون فرحته عند الظفر به عارمة، وسعادته كبيرة، فأينما حل اشترى منها وتزوّد، وحيثما ذهب تراه يجر حقائق ثقيلة ليس فيها غير الكتب   !!
وقد يأتيه من يطلب العلم، يريد أن يستعير منه كتابا رآه عنده، فيسمح به العالِم ويعطيه له رجاء الثواب والأجر الوارد في فضل نشر العلم وإفادة الطالبين..
وقد يرده خائبا لشدة تعلقه بالكتاب، أو لخشيته أن لا يَرى كتابه ذاك مرة ثانية، فكم ممن استعار كتابا ولم يرده لصاحبه  !
حدثني صَديق كتبي، حين رأيتُ عنده كتاب "حياة الصحابة" المطبوع في ثلاثة أجزاء ينقصه الجزء الثاني وسألته عن الجزء الثاني أين هو ؟!، أنَّ أحدهم استعاره منه، فلم يَرده إليه، ونسي هو من يكون المستعير، فكل من جاء يسأل عن الكتاب لا يقدر أن يبيعه إليه لنقصانه.
وزُرت يوما أحد الكتبيين، فرأيت عنده كتاب "معجم الأدباء" الطبعة القديمة، فسألته عن ثمنه، فأخبرني به، إلا أنه ذكر لي أنه ينقصه الجزء الأول ! فتأسفت لذلك، وقال لي: أن أحد طلاب إحدى المعاهد الدينية المعروفة رآى الكتاب عنده، فسأله أن يُعيره الجزء الأول منه لأنَّ حاجته منه ـ لأجل بحث يكتبه ـ بهذا الجزء دون باقي الأجزاء، ولأنه ـ لفقره ـ لا يستطيع شراء الكتاب كله، قال: فأعرته إياه، فمنذ ذلك اليوم لم أره، قال: وكُل مَنْ عَلِم أن الكتاب ينقصه الجزء الأول يصير لا يريد شراءه.
وهذا حال الكثيرين من الذين يُعيرون كتبهم، أكثرهم لا ترجع إليهم  !
وأخبرني صاحبي الكتبي، أنه أعار أحد أصدقائه كتابا، وبعد مرور مدة طالبه به، فأنكر صديقه أنه أخذه منه !! قال: ففي إحدى الأيام زرته في بيته، وجلستُ في غرفته التي فيها مكتبته، قال وهو يتأسف: فرأيت الكتاب المذكور في الرَّف بين كتبه  !
وكم أعرتُ كتبا لأصدقاء، فإذا ذهبتُ ـ بعد مضي مدة طويلة ـ لأستردها منهم، يَردونني خائبا، أو يماطلونني حتى أيأس منها، فأقول لهم: اقبلوها مني هدية.
والعديد منهم ينسون أنهم استعاروها مني ! فأتركها لهم وأشتري نسخة أخرى منها.
وأما إذا نسيت أنا من أخذها مني، فإني لا أراها أبدا.
ولا أدري لمَ يفعل بعض الناس مثل هذا ؟!
فإذا كان المرء سيقرأ كتابا فإنه لن يستغرق سنوات في ذلك، وإذا أتمَّه أو لم تعد له رغبة في مطالعته وإتمامه، فلمَ لا يَرده إلى صاحبه ؟! فلعله يحتاج إليه، أو يريد بيعه، أو قد يفيد به غيره ؟
وهذا الكتاب "آداب إعارة الكتاب في التاث الإسلامي" خصصه مؤلفه للحديث في هذا الموضوع، وهو كتاب طريف لطيف مفيد، جمع فيه ما تفرق في غيره، طبع سنة 1426هـ/2005م، وعدد صفحاته: 146.


الخميس، 30 نوفمبر 2017

ضوء الشمعة في الكلام على حديث وقفة الجمعة للعلامة المحدث عبد العزيز بن الصديق الغماري رحمه الله



بسم الله الرحمن الرحيم

بَعث أحد تلامذة العلامة المُسْنِدْ الكبير الشيخ سيدي  ياسين الفاداني (ت 1410هـ) رسالة إليه، يسأله فيها عن درجة الحديث الذي ذكره رَزين في "تجريد الصحاح"، أنه عليه الصلاة والسلام قال: « أفضل الأيام يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة »، ويَستخبره عن اسم رزين هل هو رُزَين بضم الراء أو رَزِين بفتحها ؟
فرَغِب الشيخ ـ رحمه الله ـ إلى تلميذه الشيخ المحدث سيدي محمود سعيد ممدوح بإحالة السؤال ـ للجواب عليه ـ إلى العلامة المحدث الشيخ سيدي عبد العزيز بن الصديق الغماري  (ت 1418هـ).
وقد قامت بطبع الكتاب دار الفرقان للنشر الحديث - الدار البيضاء، من غير ذكر لسنة الطبع، وعدد صفحاته:21 صفحة.

أول ما يستوقفك ويثير إعجابك وأنت تقرأ صفحاته الأولى، ذاك التعظيم الذي تنطق به السطور، وتلك المحبة التي تتخلل الكلمات، حيث يُعبّر الشيخ الفاداني عن أهلية المحدث الغماري وتمكنه في علم الحديث، وثقته الكبيرة به في هذا الباب..
وقد بادله الشيخ عبد العزيز بن الصديق نفس الإكبار والإجلال، حيث ابتدأ جوابه بأنْ قال: « أولا: أيها الأخ العزيز، مِن فساد الأيام، وتأخر الأزمان، وضياع الأمانة، وانقلاب الأمور والأوضاع، أن يحيل عليّ علامة مكّة المُبجل، ومسندها الأوحد، ومحدثها الأكمل، أبو الفيض فضيلة السيد محمد ياسين الفاداني حفظه الله تعالى، الجواب على هذين السؤالين، مع أنه صاحب اليد الطولى في الرواية، والباع الواسع في علوم الدراية، كما يشهد بذلك مؤلفاته النفيسة ومصنفاته الممتعة الفريدة، ولكنه حفظه الله تعالى، أراد أن يضيف فضلا إلى فضل، وكمالا إلى كمال، بإظهار تنازله بالحوالة عليّ في الجواب عن السؤالين ». 
ثم أطلق لقلمه السيّال العنان ولمْ يحجمه عن الشرح والبيان، فحكم على الحديث بأنه « موضوعٌ لا أصل له، ولا سند يُرجع إليه في معرفة حاله »، وانتقد رَزين على أنه أدخل في كتابه "تجريد الصحاح" ـ الذي زعم أنه جمع فيه الصحاح- أحاديث « لا أصل لها ولا سند يعتمد عليه ». 

ثم ذَكَر بعض مَن اغْتر بحديث وقفة الجمعة بعرفة بسبب نقل رزين له في كتابه ذاك، أمثال الإمام خليل المالكي في تأليفه "المناسك"، والإمام ميارة في "شرحه على متن ابن عاشر"، وابن جبير في "رحلته"، واتخذ لهم العُذر بقلة معرفتهم بالحديث..
الأمر الذي لم يَقبله من أمثال الإمام بدر الدين بن جماعة، والإمام جلال الدين السيوطي الذي ذَكر الحديث في كتابه "نور اللمعة في خصائص الجمعة"، فلم يتعقباه « ولا بأدنى إشارة ! كأن الحديث ثابتٌ صحيحٌ لا شيء فيه، مع أنه موضوع لا أصل له »! 

ثم تحدّث بعد ذلك عن الحديث الموضوع، وحَذّر من الأخذ « مِن الكتب التي لا يُبين مؤلفوها درجة الأحاديث التي يَحتجّون بها ولا يُشيرون إلى رُتبتها مِنَ الصّحةِ والضُّعْف»، وذمَّ الجهل بالحديث الذي أوْقع أمثال أولئك الفقهاء « في هذا الغلط القبيح والخطإ الشنيع » حيث استدلوا في مؤلفاتهم بهذا الحديث الباطل..
ثم قال أنَّ الوقفة في ذاك اليوم ـ مع عدم صحة الحديث ـ « فيها فضل، ولها مزية مِنْ غير شك »، وأفاض ـ في أزيد من ثلاث صفحات ـ في توضيح ذلك، بإيراده لنُصوص عن العارف محيي الدين بن عربي، والحافظ بدر الدين بن جماعة، والإمام السيوطي، والحافظ ابن قيم الجوزية..
ثم أكّد ـ رحمه الله ـ حُكمه على الحديث، فنقل عن الإمام ابن قيم الجوزية أنه قال في "زاد المعاد": « وأمّا ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل إثنين وسبعين حجة، فباطلٌ لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا عن الصحابة والتابعين ».

بعد ذلك، أجاب عن السؤال الثاني المتعلق باسم رزين، فبيّنَ « أنه بفتح الرَّاء، على وزن أَمير، كما نصّ على ذلك الكتاني في "الرسالة المستطرفة" »، وترجمهُ ترجمة موجزة، ونقلَ أنّ الإمام الذهبي في "تذكرة الحفاظ"، وابن بشكوال في "الصلة"، وابن فرحون في "الديباج المذهب"، كلهم عرّفوا بهذا العلامة، ونَقلَ بعض ما ذكره الحافظ السلفي في التعريف به في كتاب "الوجيز في ذكر المجاز والمجيز"..
ثم سَجل عِتابه مرة ثانية لرزين في آخر الرسالة، لـِ« أنه لم يُحسن التصرف فيما جمعه »، ونقل انتقاد الإمام الشوكاني له أيضاً في كتاب "الفوائد المجموعة"..
وكان آخر ما كتبه في جوابه عن رسالة الشيخ الفاداني، رجاء، وطلب الدعاء، ودعوة لتبليغ السلام للإخوان والأحباب.
والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 25 سبتمبر 2017

كتاب "ومضات من أرض الكنانة" للشيخ يحيى الفيفي



أهداني الشيخ المقرئ المسند المُدرس سيدي يحيى بن محمد الفيفي السعودي ـ جزاه الله خيرا ـ كتابه : "ومضات من أرض الكنانة، كلمات في الدفاع عن كتاب الله المعجز"، المطبوع سنة 1426هـ/2005م، وعدد صفحاته: 206، ضم فيه مقالات عن القرآن الكريم مما نُشر بين سنتي 1350هـ و1372هـ في مجلات مصرية كـ: "مجلة الاسلام"، و"مجلة كنوز الفرقان"، و"مجلة الأزهر"، و"مجلة المقطم"، و"مجلة نور الاسلام"، فاستمتعتُ بقراءته، واستفدتُ منه الكثير مما كنت أجهله، وهكذا يكون حظ الجاهل القليل الاطلاع ـ مثلي ـ، كلما حَمَل كتابا جديدا ينظر فيه، إلا ورجع منه بفوائد كثيرة لمْ يكن يَدريها، يفرح بها ويرتقي بمعرفتها.

بعض تلك المقالات قصيرة في صفحتين، وأخرى طويلة تستحق أن تطبع كرسالة مفردة، كمقال الشيخ محمد شاكر المعنون: "في ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأعجمية"، يقع في 20 صفحة (1)، وكذا مقال الشيخ محمد الخضر حسين المعنون: "كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد"، هو أيضا عدد صفحاته 20 صفحة.

وإن جَمْع تلك المقالات ـ التي موضوعها القرآن الكريم ـ في كتاب واحد، لفكرة حسنة، يُغبط عليها جامعها، يجد ـ إن شاء الله تعالى ـ أجْرها وبركتها غدا يوم الحشر، خصوصا وأنها مِن نِتاج يراع سادة هم من رجالات العلم وشيوخ الأزهر ببلاد مصر في القرن الهجري المنصرم، تُظهر غيرتهم على كتاب الله أنْ يُشكك فيه مُشكك، أو يُحذف من المناهج الدراسية، أو يُغيّر رَسمه، أو يُغير ترتيب سوره..

وحين تقرأ مقالة: "تقرير عن كتاب الفرقان" للجنة من العلماء، وهي مقالة حول كتاب "الفرقان لابن الخطيب" لمؤلفه محمد محمد عبد اللطيف أفندي، تعجب أنْ يكون هذا الأخير زعم في كتابه هذا أنّ: ( ما في القرآن من القصص ما هو إلا تمثيل وخيال لا حقيقة له ) ! وهل يقول بهذا الكلام عاقل ؟ !

كما تعجب حين تقرأ مقال: "تعقيب على مقال"، أن يكون أحد أعضاء جماعة كبار العلماء، وهو الشيخ حامد محيسن، يُنكر تسمّع الشياطين الذي ذكره الله سبحانه في سورة الحجر وسورة الصافات وسورة الجن ! ويُنكر أيضا أن تكون النجوم ترجم الشياطين الذين تسترق السمع ! ويؤول ما في كتاب الله عن ذلك ! وينكر نزول القرآن للجن..! !

بعض المقالات تحدثتْ عن علم التجويد ومصدره، وأخرى عن رسم المصحف، وأخرى عن بلاغة القرآن والرد على من زعم أن عبارته ليست في الدرجة العليا من البلاغة، وأخرى عن حكم ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى، وأخرى في التحفيز على حفظه وتدريسه، وأخرى في ثبوت القراءات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخر في حكم التغني بالقرآن وقراءته بالألحان، وأخرى فيما ينبغي أن يكون عليه القراء، وأخرى في الرد على بعض من زعم اختلاف وتعارض بعض آياته، أوْ أوّل آيات في كتاب الله تأويلا بعيدا، فيؤوّل الجن بالزعماء المستكبرين ! وينكر وجود الشياطين ويقول ان ( ابليس اسم لكل مستكبر على الحق ) ! ويؤول الملائكة بـ ( رسل النظام والسنن في الكون  ! !(..

قرظ الكتاب فضيلة الشيخ المقرئ سيدي محمد كريم راجح ـ حفظه الله ـ، وقدّم الشيخ يحيى الفيفي للمقالات بمقدمة مهمة قال عنها الشيخ محمد كريم راجح: ( ذكر فيها من الحجج والبراهين والانتصار لكتاب الله ما أرجو أن يثاب عليه، كما أثنى على هؤلاء الذين يدافعون عن القرآن بما يستحقونه من الثناء، وأنت تجد حين تقرأ مقدمته أن الغيرة على القرآن الكريم تنبع من ثنايا ألفاظه، حتى ليكاد يلامس بها لا سمعك فقط بل قلبك، لذلك أسأل الله أن يشكر له عمله ).
(اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا.. (
-----------------------------------
(1)
ذكر صاحب الكتاب أن هذه المقالة نُشرت في رسالة مستقلة.

السبت، 26 أغسطس 2017

كتاب "الإشادة والتعريف بمن برّ أباه بالتأليف"


كمْ ممن أهمل تراث والده المكتوب فلم يهتم به، ولا فكّر في نشره، بل تركه مهملا حتى فتتته الرطوبة وأكلته الأرَضة  !
وكم منهم خلّف لهم والدهم مكتبة ضخمة، فيها رسائل فريدة، ومؤلفات مخطوطة ومطبوعة نفيسة، فباعوها جملة لأول كتبي طرق بابهم بعد وفاته، وبأبخس الأثمان !
ولو علموا أنه سيأتي زمان يؤلف فيه الشيخ سيدي محمد بن عبد الله آل رشيد كتابا يذكر فيه أسماء من: "جمع فتاوي أبيه"، ومن "جمع شعر أبيه" و"كلامه" أو "مكاتباته" و"مقالاته" و"تقاريره".. لكانوا سارعوا وبادروا إلى الإهتمام بتراث آبائهم الفكري وإنتاجهم العلمي من كتب ورسائل ومقالات.. ولطبعوها بلبنان أو الأردن أو مصر أو غيرها من البلدان، لعلها تصل إلى يده، فيَذكرهم في هذا الكتاب الذي أثنى فيه على كل من بر والده من هذه الناحية.
لقد ذكر الشيخ محمد آل رشيد في كتابه هذا ـ إضافة إلى ما أشرنا إليه سابقا ـ أسماء مَن ألفوا ـ من السابقين والمعاصرين ـ في "ترجمة آبائهم"، أو "خرّجوا لهم مَشيخات"، أو "أكملوا أعمال آبائهم العلمية"، أو "شرحوا مؤلفاتهم"، أو "حشوا عليها"، أو "نظموها"، أو "اختصروها"، فجاء جامعا للكثير من الأسماء من مختلف البلدان الاسلامية.
وقدّم له بمقدمة بيّن فيها: الغرض من تأليفه إياه، وعناوين فصول الكتاب، وأتى بوصايا عديدة لآباء أوصوا بها أبناءهم، وأتى بحكايات عن آباء بروا أولاهم بخدمة مؤلفاتهم، كالامام ثابت بن حزم الاندلسي الذي أتم كتاب ولده في شرح غريب الحديث، والفقيه صالح بن محمد التمرتاشي الذي شرح ألفية ولده في النحو..
كما زين صفحاته بوضع صور لبعض أولئك الأبناء، وصور آبائهم، مع صور المؤلفات التي ألفوها..
وفي الكتاب تنبيهات وتصويبات لأخطاء وقع فيها سادة من أهل العلم، كما تجد فيه إفادات 
نقلها واستفادها من أمثال: ولده القاضي الأديب سيدي نواف آل رشيد، وصديقه الدكتور سيدي محمد باذيب، وصديقه إبراهيم بن سعد الحقيل.. وغيرهم.
وأعجبني ما ذكره (ص 69) من استفادته تاريخ وفاة محمد ظافر الطرابلسي المدني المالكي (ت 1330هـ) من الباحث الدكتور سعيد طوله الذي صور له صورة شاهد قبره من تركيا وأرسلها له، فأثبت الشيخ محمد آل رشيد صورة الشاهد في الكتاب، وهذا شيء حسن جدا، يدل على أمانة الكاتب، وعلى اهتمام الدكتور سعيد طوله بإفادة أهل العلم ما يَستحق عليه الثناء والشكر، ولعلك إذا صنعتَ مثل ما صنعه الدكتور سعيد مع كُتاب من أبناء وطنك، لما اهتموا بالإشارة إلى من استفادوا منه ذلك، فما أسعد حظ الدكتور سعيد بالشيخ محمد آل رشيد. 
ومن الطريف، أن شيخنا المؤلف ـ حفظه الله تعالى ـ ذكر في كتابه هذا (ص 181) ولده القاضي سيدي نواف ضمن الأبناء الذين أفردوا آباءهم بالترجمة، لكونه ألف كتابا عَنونه: "في صحبة والدي"، ذكر فيه نسبه، ومولده، وأبرز شيوخه، وبعض ما استفاد منه... وهذا يدل على تقدير الشيخ لولده، وتعظيم الابن لأبيه.
وللمغاربة النصيب الوافر من التراجم في هذا الكتاب، وأول مَن ذُكر منهم فيه: محمد بن القاضي عياض الذي أفرد والده الإمام بالترجمة بكتاب عنونه: "التعريف بالقاضي عياض".
ومن المغاربة الذين ذكرهم فيه ـ أيضا ـ: صديقه الأستاذ الكاتب سيدي رضا الله عبد الوافي ابن العلامة الأديب سيدي محمد المختار السوسي، فقد ذكره في أكثر من موضع من كتابه هذا، ما أسعدنا، خصوصا وأنّ الكثير من السوسيين وغيرهم، لا يُقدرون المجهود الذي يصنعه هذا الأستاذ في طبع مؤلفات والده العلامة ـ وهي مؤلفات لاشك جد مهمة ونافعة ـ ولا يُسمعونه ولو كلمة شكر واحدة ! بل لا يذكرون له ـ عند اللقاء بهم ـ سوى ما قد يسهى القلم فيه عند الكتابة  !!
وفي هوامش الكتاب فوائد في: الأنساب، وتواريخ مولد ووفيات العلماء، وعن الكتب وما جرى لها، وغير ذلك..
وختَمه بذِكر مَن صلى إماما على أبيه بعد وفاته.
كتبت هذه الكلمة مساء يوم الثلاثاء 22 غشت 2017م، بقرية دوكادير بسوس، في موسم الشيخ العارف بالله سيدي الحاج علي الإلغي الدرقاوي فدس الله سره.


الخميس، 23 مارس 2017

كتاب: "مطالع الأفراح والتهاني وبلوغ الآمال والأماني في ترجمة الشيخ عبد الحي الكتاني"



الفوائد التي يجنيها من يُطالع المؤلفات التي تُترجم لعلماء الأمة كثيرة عديدة، فإنْ كان العالم ممن طال عمره، واتسع اطلاعه، ورحل لأجل العلم لدول ومدن شتى، وكثرت شيوخه وتلامذته، وتنوعت مؤلفاته، وصحب أهل السلوك.. فإن سيرته تكون في العادة ممتعة، وقد يُفردها أكثر من واحد بالتأليف.

ومن تلك المؤلفات التي أفردت لترجمة عالم من العلماء المغاربة، كتاب: "مطالع الأفراح والتهاني وبلوغ الآمال والأماني في ترجمة الشيخ عبد الحي الكتاني"، تأليف: العلامة الأديب الشيخ سيدي عمر بن الحسن الكتاني الفاسي، المتوفى رحمه الله بالرباط سنة 1370هـ. وهو كتاب يقع في 682 صفحة، طبع سنة 1436هـ/2015م، أفرده مؤلفه للتعريف وترجمة المسند الكبير الشيخ الشهير سيدي عبد الحي الكتاني الحسني الفاسي رحمه الله، وهو من الشخصيات المغربية التي اشتهرت في العالم الاسلامي، وانتشرت العديد من مؤلفاته في كل الأقطار.

أول ما أثارني هو كون المؤلف يقارب الشيخ عبد الحي الكتاني في السن ! وهو أيضا من تلامذته ! وهذا يدل على تواضعه، فقد جرت العادة أن يأنف الأقران عن الأخذ عن بعضهم البعض وأن يترجم بعضهم لبعضهم، وقد صدر حديثا كتاب لبعض المشايخ المشارقة ترجم فيه لعلماء إحدى العلوم من القرن الاول الهجري الى وقتنا هذا، فترجم فيه لبعض المعاصرين الذين يصغرونه بأزيد من عشر سنوات، وهذا يدل على صفاء باطنه وحسن ظنه وتواضعه..

وأوّل ما نظرته في الكتاب هو الفصل الرابع الذي يذكر فيه المؤلف بعض كرامات الشيخ المترجَم، فقد طالعت عدة مؤلفات تُرجم فيها للشيخ سيدي عبد الحي، لكن هذه أول مرة أرى من يذكر بعض كراماته، قال المؤلف عند افتتاحه كلامه عنها: ( اعلم أن للسيد الأستاذ رضي الله تعالى عنه كرامات لا تُحصى ولا تُعد ولا تستقصى، يتحدث الناس بها في كل موضع، وقد شاهدتُ منه العجب العجاب من ذلك، فكم أخبرني بأمور مغيبات وقعت كما أخبر وفي الوقت الذي ذكر، وكم أخبرني بموت أناس وبوقت وفاتهم فكان الأمر كذلك..). وقد صحب الشيخ عبد الحي عدة عارفين وأولياء صالحين يدلون الناس على الله تعالى، منهم والده، وشقيقه الشهيد، والإمام محمد بن جعفر الكتاني، وغيرهم من الأكابر، مغاربة ومشارقة، فليس بغريب ظهور بعض الكرامات على من صحب مثل هؤلاء الربانيين.

أنهى المؤلف كتابه هذا سنة 1355هـ، والشيخ عبد الحي توفي رحمه الله سنة 1382هـ/1962م، أي أن المترجِم لم يستوف سيرة الشيخ عبد الحي، ومع ذلك فمجهوده فيه كبير، فقد جمع في هذا الكتاب الكثير من النصوص، والمقالات، وشهادات العلماء، وقصائد الفقهاء والأدباء في الشيخ، وكراماته، وغير ذلك من الفوائد، ما لا تجده سوى في هذا الكتاب، ولو أنه زاد فيه ما جرى للشيخ من أحداث، ورحلات، وتأليفات، وتقاريظ، وما أثنى عليه به الأكابر، منذ تلك السنة التي أنهى فيها كتابه إلى تاريخ وفاة المترجَم، لكان حجمه يأتي في مجلدين أو أكثر.

وقد اختزل بعض الفصول واختصرها اختصارا، كالفصل الثاني الذي عنونه: ( في ذكر تلامذته وإجازاته )، حيث لم يذكر سوى إجازة الشيخ عبد الحي له، ولم يُعرّف بأي أحد من تلامذته، ولو أنه ذكر بعض أعلامهم لكان أجمل، بل قال: ( تلامذة السيد الأستاذ رضي الله تعالى عنه  كثيرون منتشرون في مشارق الأرض ومغاربها، لا يحصون، وجميع العلماء اليوم في الدنيا من تلامذته، إما مباشرة أو بواسطة أو بالإجازة، وبالأخص طلبة المغرب الذي بحواضره وبواديه وجباله وسهوله..).
وقد زيّن الأستاذ المحقق الشيخ سيدي خالد السباعي الكتاب بالعديد من صور الوثائق والإجازات والرسائل وصور للشيخ المؤلف وللشيخ عبد الحي، كما قدم للكتاب بترجمة المؤلف استقاها من مصادر مخطوطة ومطبوعة ومن مشافهات من بعض شيوخه الذين التقوا بالمؤلف، فلعلها أجمع ترجمة كُتبت عنه رحمه الله، وفي في مقدمته للكتاب فوائد عديدة..

وقدّم للكتاب بمقدمة طويلة الشيح الدكتور سيدي محمد حمزة بن علي الكتاني، تحدث فيها عن مكانة الشيخ عبد الحي، وعن أعمال البيت الكتاني عموما، والجهود الاصلاحية للطريقة الكتانية وغير ذلك..

فهو كتاب قيم، يحتاجه كل محب لهذا العلامة الشهير، وكل مهتم بفن التراجم والاسانيد والتصوف..

شيخ الجماعة العلامة سيدي محمد المكي البطاوري الرباطي رحمه الله



مِنْ علماء المغرب الذين أنْجبتهم مدينة الرباط عاصمة المغرب الأقصى: شيخ الجماعة، العلامة، الشاعر، الأديب، الخطيب، القاضي، الكريم الأخلاق، سيدي محمد المكي بن محمد بن علي البطاوري الشرشالي الحسني.
ولد هذا العلامة الجليل شهر ربيع الاول عام 1274هـ، من بيت عريق المجد، أصلهم من مدينة شرشال، فانتقل أسلافهم منها إلى مدينة الرباط.

قرأ القرآن الكريم  على والده، ثم انتقل إلى كتّاب الشيخ محمد بن احمد الرغاي، فأخذ عنه مبادئ الحساب وعدة متون..
أخذ العلم عن شيوخ الرباط، كالفقيه محمد بن عبد الرحمن التادلي، والقاضي أحمد بناني، والفقيه محمد بن إبراهيم بناني، والقاضي محمد بن عبد الرحمن البريبري، والقاضي أحمد ملين، والفقيه عمر عاشور، والفقيه التهامي بناني، والشيخ الهاشمي الزياني الضرير، ولازم كثيرا الامام إبراهيم التادلي وهو عمدته.
وأخذ عن غيرهم كالعلامة سيدي علي بن سليمان الدمناتي، وبالمدينة المنورة عن الشيخ عبد الجليل برادة، والشهاب الكسراوي..

مارس التدريس في مساجد وزوايا الرباط، ودرّس مختلف الكتب في أنواع العلوم، فاستفاد منه الكثير من أبناء العدوتين، ومن الآخذين عنه: القاضي المؤرخ سيدي عبد الحفيظ الفاسي، والعلامة العارف سيدي فتح الله البناني، والعلامة المحدث سيدي المدني بن الحسني، والشيخ المؤرخ سيدي عبد السلام ابن سودة، والشيخ الفقيه سيدي الغازي بن محمد سباطة، والعلامة العارف سيدي محمد الباقر الكتاني، والأديب المؤرخ سيدي محمد بوجندار، والعلامة الحافظ سيدي أحمد بن الصديق، وشقيقه العلامة المحدث سيدي عبد الله بن الصديق، وغيرهم من المشايخ والعلماء.

ترك عدة مؤلفات، منها: تعليق على ألفية السيرة للعراقي، تقييد في ختم الموطأ، الدروس الحديثية في المجالس الحفيظية، معراج الراقي لألفية العراقي، شافية الدجم على لامية العجم، تقييد مختصر بشرح منظومة البيقوني في علم الاثر، كتاب التنصيص على شواهد التلخيص في علوم البلاغة، شرح الأرجوزة الفائقة المستعذبة الرائقة فيما يحتاج الأتاي إليه ويتوقف شربه وإقامته عليه، وهذه المؤلفات كلها مطبوعة، وله غير ذلك.

وبعد حياة حافلة بالعطاء العلمي، توفي بمدينته الرباط شهر محرم سنة 1355هـ/1936م.
ترجم له العديد من العلماء في مؤلفاتهم التي يُعرّفون فيها بشيوخهم، وأفرده بالترجمة الشيخ العلامة سيدي عبد الله الجراري، والكل يُثني عليه ويُشيد بعلمه ويَرفع من شأنه ويشكر أخلاقه وآدابه وتواضعه وجميل سيرته..

وذَكر لي أحد الأفاضل أنه حين كان صغيرا رأى هذا الشيخ الجليل، وأراني بيته بالرباط، وهو ممن العلماء الذين أحبهم للطفه، وأريحيته، وجميل أخلاقه، ولما قيل فيه من الثناء العطر.. وقد رأيته يوما في المنام دَخل عليّ في غرفة كنتُ أتكئ فيها، وكان يلبس جلبابا أبيض ويضع على رأسه عمامة بيضاء، فقمتُ إجلالا له، فعانقني وعانقته، وقلتُ له ورأسي على كتفه أُعبر له عن حُبي له: "أَسِيدي المْكِّي، رَاكْ عْزِيزْ عْلِيا، أَسِيدي المِكِّي، راكْ عْزِيزْ عْلِيا".

فنسأل الله أن يجدد على قبره الرحمات، وأن يُعلي له الدرجات، وأن ينوّر مرقده، ويغفر له..