الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

كتاب: "استجلاب الفيوضات من منشئ المخلوقات في الصلاة والسلام على دليل الخيرات وأنموذج الكمالات صلى الله عليه وسلم"



قرأته على مهل في عدة أيام، وكنتُ كلما طالعتُ ثلاث أو أربع صفحات منه أشعر بالارتواء، فأضعه إلى وقت آخر.
وكنتُُ كلما تقدمتُ في القراءة أتعجب من تلك المصطلحات التي تحمل معاني لطيفة سامية والمسبوكة بطريقة أنيقة عالية في صيغ تعبر عن مدى تعلق الشيخ محمد الباقر بالجناب النبوي الشريف، ومدى التعظيم الذي يحمله في قلبه لصاحب الرسالة الخاتمة، وتدل على عمق غوصه في بحر محبته عليه الصلاة والسلام إلى حد جد كبير..

يَذكر في القصيدة التي ختم بها الكتاب أنه ما ألفه إلا بإذنٍ، قال (ص:119):


قد صغتُه بلطافة وسكينة ** وهداية ونجابة المتكامل
قد صغتُه بسعادة ورزانة ** ومهابة ومحبة بعوامل
بالاذن جاء، فحزتُه وكتبته ** أرجو المعارف من عوارف شامل
ثم يوصينا بالنظر فيه، فيقول:
فانظر مليا في فتوح ثنائه ** أنصت مليا في كمال دلائل
أمعن به تحظ بكل معارف ** أسعد به ذخرا بخيرٍ حافل 
واصرف له الأوقات تجلُ كمائما ** واصحبه في التذكير كل صائل
هو كنز هذا الدهر فتحٌ كامل ** هو تاج أعلام ومجدُ أماثل
باكورة هو في العقود وجوهرٌ ** متلألئ بضيائه المسترسل
الخير كله في بواطن طيه ** والفيض حاز جميعه بفضائل
من الصيغ العجيبة تلك التي ضمت أسماء لبعض مؤلفات والده وغيره من كبار السادة الصوفية (الصلاة رقم:7-8).


وأعجبتني هذه الصيغة:( اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد الذي رفعت ذِكر الأولياء بمحبته، وشرّفتهم بالاحتماء بجاهه، وعظمتهم بالانتماء إليه، وسوّدتهم بالانهماك في محبوبيته، وأنزلتهم المكان الرفيع بشغفهم له، وبوّاتهم مقاما عليا بعشقه وكمالاته، وأقعدتهم سنام المجد باتباعهم سبُل محجّته واقتفائهم طريق هدايته، فسادوا به طول الدوام، وبسطتَ ذكرهم على مر الشهور والأعوام، وسلكتَ بقلوبهم نحو الإلهامات اليقينية، ومنحتَ بصائرهم بمشاهدته يقظة ومناما، قعودا وقياما، في الحركات والسكنات، وآله وصحبه وسلم ).

من خلال سطور الكتاب تتبين لك عقيدة الشيخ، وتتيقن أنه من كبار العارفين المُحبين، وأنه ممن اجتبيَ وخصص بالفضل والخير العميم، ولا تستبعد ما أطلقه عليه المحقق الشيخ الدكتور سيدي حمزة الكتاني في ترجمته (ص:17) من ألقاب عالية، ومن أنه صرح ببلوغه درجة القطبانية في بعض أماكن من "البشائر الاهتدائية"، فالرجل كان من الكبار، وترجمته فخيمة، ولم نر من يقول فيه كلمة ناقصة، فكان عالما، محدثا، أديبا، فقيها، مؤرخا، صوفيا سنيا، داعية إلى الله، مربيا ،وطنيا، كريما.. 
وإن لم تُصدق فإن صورته تنبئك عن سماحته وصفاء قلبه وحسن طويته وجميل ظنه واتباعه للسنة، وصورته وهو كهل ترى فيها الوقار وعزّ العلم والسكينة..
فهو من مفاخر بلاد المغرب، ومن السادة الذين أوقع الله تعالى حبهم في قلبي منذ قرأت ترجمته أول مرة، وأظن أن هذا الكتاب هو ثالث كتاب طالعته له، وأرجو أن أطالع في المستقبل غيره. 
وقد أهدانيه صاحب الأفضال على الطلبة والباحثين وغيرهم من أهل العلم، أحد فروع تلك الأصول الكريمة، الشيخ الشريف الدكتور سيدي حمزة الكتاني:
« إن الجِيَادَ على أعراقها تجري»
فله مني جزيل الشكر.


وأختم بما دعا به الشيخ محمد الباقر في إحدى صلواته (ص:80):(( .. اللهم بحقه عليك، وبمحبوبيته لديك، استغرقني في جماله، واستهلكني في كماله، واسقني من فتوحاته، واغمسني في انواره، وأوِْردني من عوارفه، وأنطقني بمعارفه، وامنحني الخوض في أبحره التي لا منتهى لها، واسبح بي في مناهل أنسِه الذاتي حتى يرتوي ظمأ قليبي، وتسقى جميع عوالمي ولهيبي، فأربح الربح الأبدي في الدارين، مع الصحو الكامل واليقين، بالقدم الراسخ والتمكين والجَنان، الثابت والخوض المتمكن في العرفان والرحمة والغفران..)).

الاثنين، 6 أكتوبر 2014

"محدث الشام العلامة السيد بدر الدين الحسني بأقلام تلامذته وعارفيه"





كان ـ من غير شك ـ من كبار أولياء الله تعالى الذين يعمرون أوقاتهم بالطاعة والذِّكر ودوام الحضور، فلم يكن للشيطان في مجالسه نصيب، وقد بايعه الشيخ المفتي سيدي محمد العربي العزوزي على الولاية لرؤيا رآها، وليته لنا حكاها ورواها، قال:« .. فناولني يده للمبايعة، ومكنني مِن تقبيلها، ولا أعلم أنه مكّن أحدا مِنْ تقبيل يده رحمه الله ».



نعَمْ، إن تقبيل يدِ مثله لشرف عظيم يُفتخَر به ويُسطَّر بمداد الاعتزاز في الكتبْ، فإنه ـ نَوّر الله مَرْقده ـ لمن نفحات الدهر العزيزة، تعْلمُ ذلك وتتيقنه حين تقرأ ما وصفه به الناعتون الذين خالطوه وعرفوه منَ الأوصاف السامية، وما أطلقوه عليه من الألقاب العالية. 

فمِن قائل إنه:« أستاذ الجميع »، ومِن مُخبر أنه:« قطب الزمان ومجدّد الأوان »، وأنه:« لم يُوجد له نظير منذ خمسمائة سنة »، وقد كان ـ حسب قول الشيخ عبد الحي الكتاني ـ:« أمّة وحده، كالبحر الطام الغطمطم الذي لا قعر له »، وكان كما قال الشيخ محمد علي ظبيان:« العلامة الأكبر، خاتمة المحدثين، ونابغة العصر»، وهو عند مفتي الديار المصرية الشيخ بخيت المطيعي:« بقية السلف الصالح » الذي « كان اسمه بدراً سطع في سماء الشرق، فاهتدى به الناس جميعا »، وهذا بعض وصفهم، لا كله.



لقد كان هذا السيد الجليل منارة يقصدها من يُحب أن ينظر بأم عينه كيف تتشكل الفضائل وتتجلى وتسطع في شخص فرد واحد، وإنك لترى كل من لقيه يعدّ يوم لقاءه به من غرر الأيام التي مرت عليه طوال عمره، وقد يحكي لك ما جرى له معه، وما دار بينهما، وما شاهده منه، بتفصيل دقيق يتذكره كأنه حصل ليلة البارحة، وما ذلك إلا لأنهم كانوا يعلمون قيمة المنظور إليه، وأن لحظات مجالستهم له لا تُقدّر بمال. 


وكما اشتهر بالتبحر في العلوم، اشتهر أيضا بالورع، والتواضع، بل كان كلمة إجماع في كمال أخلاقه وحُسن فعاله، وـ يا للعجب ـ لم تُسجل عليه مع كثرة مَجالِسه ومخالطته للناس ـ فترة حياته ـ ولو هفوة واحدة ! ولولا أننا قرأنا ما حكاه العلامة القاضي محمد علي ظبيان في مقالته عنه، عن بعض العلماء، أن الشيخ بدر الدين رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الطلب تفلَ في فمه، لتوقفنا في التصديق فيما رواه لنا الرواة عنه، إذ لم نقرأ مثله إلا عند أئمة التابعين، لكن ليس ببعيد أن يكون الخبر صِدقا والنبأ صحيحا إذا المخبََر عنه رأى مثل هذه الرؤيا العظيمة المباركة.

لقد عظّم الله قدْره في القلوب، فهابته، وأحبته، وأقبلتْ عليه، وانجذبت منقادة ـ بسلاسة ـ إليه، ليس فقط من بلاد الشام، بل من جميع أقطار بلاد الإسلام، وقد نظرتُ في المغاربة الذين حضروا دروسه أو أجيزوا منه فأحصيتُ عددا منهم، وهاك أسمائهم :
أبي شعيب الدكالي (تدبج معه)، احمد التبر بن أبي بكر الفاسي، احمد بن الصديق الغماري، عبد الله بن الصديق الغماري، عبد العزيز بن الصديق الغماري، احمد بن المامون البلغيثي، احمد بن محمد الزبدي الرباطي، احمد بن محمد العمراني، احمد سكيرج، جمال بن احمد الهواري المغربي، العابد بن عبد الله الفاسي، العباس بن ابراهيم، عبد الحفيظ الفاسي، عبد الرحمن الدكالي، عبد الرحمن بن زيدان، علي بن محمد عواد السلوي، الغازي بن محمد سباطة، محمد الطيب بن محمد المراكشي، عثمان جُورْيُو، محمد بن جعفر الكتاني الذي قال: استجزناه لنا ولأولادنا، محمد المكي الكتاني، محمد الناصر الكتاني (ت 1974)، محمد المنتصر بالله الكتاني، محمد الطيب بن محمد المهدي الكتاني، عبد الرحمن بن عبد الحي الكتاني، محمد الفقيه ابن عائشة الحداوي، محمد بن أبي بكر القادري،  الحاج أحمد معينينو السلوي، عبد الله ابن محمد بن عبد السلام ابن سودة (1)، محمد بن احمد بن عبد الله، محمد بن ادريس القادري الفاسي الجديدي، محمد بن اليمني الناصري،  وحضر الشيخ عبد الحي الكتاني درسه بالجامع الأموي، ولم يستجزه، كما حضر الشيخ العارف فتح الله البناني مجلس درسه لصحيح البخاري وأثنى عليه، والشيخ محمد الحبيب الفيلالي.
هذا ما عثرت عليه مِمّا لدي من مراجع قليلة. أما من أخذ عنه من غير أبناء بلاد المغرب الأقصى فلا يعد ولا يُحصى.

كان آخر ما أقرأهُ من الكتب ـ حسب قول الشيخ عبد الرحمن بن أبي شعيب الدكالي ـ كتاب "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، ثم انتقل إلى ديار الآخرة، والكل يرجو لو طال به العمر ومُدّ في أجله.

ليس يغيبُ عني اسم "بدر الدين الحسني المغربي"، فإن اسمه مما تُصادفه في كثير من أثبات وفهارس المتأخرين، لكن الكتاب المعنون بـ: "محدث الشام العلامة السيد بدر الدين الحسني بأقلام تلامذته وعارفيه"، والذي اعتني بجمعه وترتيبه ـ جزاه الله خيرا ـ الشيخ العلامة النسابة سيدي محمد بن عبد الله آل رشيد، يُعد أكبرَ ما قرأتُ عنه، وهو يضم مقالات تلامذة هذا الإمام الرباني الهمام التي كتبوها عنه، فنشرت في الجرائد أو المجلات، كما فيه قصائد لهم نظموها في مدحه ورثائه مما جادت به قرائحهم الأدبية ومما فاضت به قلوبهم الممتلئة حبا له، وغير ذلك من الفوائد، فمنْ يُطالعه يزداد تعظيما لهذا العالم الجليل ومحبة له، وإننا لنتقرب إلى الله تعالى بمحبة الصالحين والعلماء العاملين، ونجعلها من أفضل أعمالنا التي نرجو بها النجاة يوم العرض على رب العالمين.

كما إنه ليُشرّفنا كمغاربة أن يكون الشيخ بدر الدين الحسني أصله منَ المغرب، وأنّ والده العالم المسند من مراكش، وإن كنا نعجب كيف فات الشيخ القاضي العباس بن ابراهيم تقييد اسمه ضمن من ترجم لهم في "الإعلام"، مع أنه لقي ولده الشيخ بدر الدين وأخذ عنه، فهو يدري أصله الذي يشتهر به !
ولا أدري هل استدرك اسمه الأستاذ أحمد متفكر في مستدركه عليه أم لا ! 

لقد استقر في دمشق غير واحد من العلماء المغاربة منهم: شيخ الإسلام الإمام سيدي محمد بن جعفر الكتاني الذي هاجر إليها بأسرته، ومنهم الشيخ العلامة سيدي يوسف بن بدر الدين الحسني المراكشي وغيرهما، ووجدوا فيها راحتهم، ولقوا من أهلها كل خير، فطبيعتها خلابة، وأناسها أهل فضل، والبركة تسري في أرجائها، فنسأل الله ـ بهذه المناسبة ـ لأهل تلك البلاد الفرج والخروج من كل ضيق، والنصر على الطغاة الظالمين الذين استعلوا بغير حق وأضروا بالمسلمين، في أقرب الآجال، آمين آمين آمين.
---------------
(1) القاضي عبد الله ابن سودة، توفي رحمه الله سنة 1392هـ. ترجمته في "قبيلة زعير قديما وحديثا" (2/290).

السبت، 19 يوليو 2014

كتاب: "الشاهد والمقبول بالرحلة إلى مصر والشام وإسطنبول"



كانت ساعات ممتعة تلكَ التي أمضيتها في قراءة رحلة الشيخ العلامة سيدي شَيخ بن محمد بن حسين الحبشي، والمسماة:"الشاهد والمقبول بالرحلة إلى مصر والشام وإسطنبول"، ومما يشجعك على قراءة الكتاب ومطالعته جمال الطبعة وأناقتها، فالخط واضح بيّن، وبين ثنايا الصفحات تجد صورا منثورة عن تلك المعالم وأولئك الأعلام، وكم سعدت حين رأيت صورة الشيخ سيدي محمد السمان رحمه الله، فإن الرجل معروف مِن أهل العرفان..
ومن اللطيف أن المؤلف حين أتى على ذِكر العنب، رأينا في جنب الصفحة (201) صورة لعناقيد عنب متدلية، فأعجبتني تلك الإضافة التي سرقت مني ابتسامة، ولعل السبب في وضعها هناك وارد صوفي غلب.
أول ما تستفيده من الكتاب التعرف على مؤلفه السيد العلامة شيخ بن محمد بن حسين الحبشي، والحق أن اليمن خرّجتْ ـ ولا تزال ـ علماء أفذاذ، وصلحاء كبار، ودعاة عظام، يجمل التعرف عليهم وعدم الجهل بهم، والمؤلف منهم، وتدري قيمته حين ترى ما يلاقيه به علماء المدن التي زارها والبلدان التي دخلها من حفاوة بالغة واهتمام زائد.

يعجبك أسلوب المؤلف الواضح السهل، كما يعجبك ما سجله في رحلته من فوائد منثورة عن أولئك الشيوخ، وعن تلك المؤلفات التي رآها في المكتبات، وطبيعة تلك المناطق ومُميزات أهلها..

فلتجار دمشق عمائمهم التي تميزهم عن غيرهم، وكانت أثمان المطبوخات بها في غاية الرخص، ويُدْبحُ فيها كل يوم من الغنم 3000 من غير البقر والجمال، بينما في اسطنبول التي كان عدد سكانها آنذاك مليون نفس، فإنه يُذبح فيها من الغنم كل يوم 8000 ومن البقر 3000 ! 

وتجد في الكتاب إجازات واستدعاءات، منها إجازة الشيخ المسند العلامة المكي بن عزوز، ومنها إجازة الشيخ العارف سيدي علي بن محمد الحبشي لشقيقه مؤلف الرحلة، ولا يسعك حين تقرأ إجازة هذا العارف سوى التلذذ بجميل خطابه الذي لا ينبعث إلا من قلب فاضت أنواره فامتلأ بالمعارف والعلوم.

ومن جميل ما تقرأ في الكتاب أن المؤلف ـ رحمه الله ـ التقى في رحلته بعالم مغربي قدير، ذلكم هو الشيخ العلامة الأديب القاضي سيدي أحمد البلغيثي ـ رحمه الله ـ، وهو ممن لا يجهله مطلع على تراجم مشايخ القرن الماضي، فقد تخرج على يده علماء كبار، وأخذ عنه مشايخ فخام، وكانت سيرته طيبة عطرة على كل لسان. قال المؤلف (ص:312)« ثم إنّي في أثناء الطريق، قمتُ أمشي في البابور المذكور إلى بعض البناقِل، فلمحتُ عيني رجلا من المغاربة، فتوسّمتُ فيه العلم والولاية، فسألت بعض خدمه: من هذا الشيخ؟ فقال: هذا الشيخ أحمد البغتينيّ المغربي »، ولو علم الشيخ البلغيثي ما قاله مؤلف الرحلة عنه هنا لأعجبه ذلك، ولازداد اغتباطا وسرورا. 
وقد علّق مُحقق الرحلة الشيخ الدكتور سيدي محمد أبو بكر باذيب في الهامش إلى أن الشيخ المذكور هو « الشيخ أحمد بن المامون البلغيثي، وإنما كتب المؤلف اسمه حسبما سمعه مِن مرافقه باللهجة المغاربية ». 
ومما يؤكد ما ذهب إليه المحقق، ما ذكره الشيخ عبد الحفيظ الفاسي في "معجم الشيوخ"(ص:104) في ترجمة العلامة أحمد البلغيثي أنه « حج أولا سنة 1317هـ، وثانيا سنة 1328هـ» وهي نفس السنة التي قام بها العلامة شيخ بن محمد الحبشي برحلته هاته.

وقد ذكر العلامة شيخ بن محمد الحبشي أنه باحث هذا العلامة فوجده « عالما عاملا » وأنه قال له:« إني أدخل في أسباب التجارة وأحب ذلك صوْنا لشرف العلم ». وحين تقرأ ترجمة الشيخ البلغيثي في مؤلفات المغاربة تجد أن من مؤلفاته ـ رحمه الله ـ كتاب:"سياق الخسارة في بضاعة من يحط من مقام التجارة"، وهذا مما يؤكد أن المقصود هو العلامة أحمد البلغيثي المغربي لا أحد غيره.
وقد أضاف المحقق إلى الرحلة "مكاتبات المؤلف مع إخوانه وأقرانه"، و"ديوان صاحب الرحلة"، فزاد من متعتنا ومن الفوائد الكثيرة التي غنمناها، زاده الله من فضله.

الجمعة، 18 يوليو 2014

حول واوية العلامة المختار السوسي في شيخه العلامة المسند الكبير الشيخ عبد الحي الكتاني رحمهما الله


                         
                            الشيخ العلامة محمد المختار السوسي         الشيخ الحافظ عبد الحي الكتاني

خبـرٌ سـارٌ

الحمدلله، لقد تَمَّ العثور على "القصيدة الواوِيّة" التي أنشأها العلامة الوزير سيدي محمد المختار السوسي ، في الشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني


لما نظرتُ في كتابي : " مشيخة الالغيين "  و الجزء الثاني من "الإلغيات " ، ورأيتُ أن للعلامة سيدي محمد المختار السوسي قصيدة واويّة في الشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني ، وحيث أنني لم  أر  من ذكرها أو أشار إليها سوى المختار السوسي ناظمها ، فقد وضعت سؤالا عنها في بعض الصفحات الالكترونية ، ولما لم أتلقى أي جواب ، توجهتُ بالسؤال إلى ابن العلامة محمد المختار السوسي السيد الكاتب المحقق سيدي رضى الله عبد الوافي ، فأجابني مراسلة بما يلي :

الأخ الكريم البحاثة النفاعة سيدي يوسف أبجيك السوسي .
تحية إجلال وتقدير .

أما بعد ، لي الشرف أن أشفي غليلك وأضعك أمام ما كنتَ تصبو إليه ، وأقول :
إنَّ القصيدة التي ذكرها والدنا العلامة سيدي محمد المختار السوسي ، عثرتُ عليها مؤخرا في مخطوط له لم يُنشر من قبل ، اسمه : " الزهر البليل ، فيما نفث به الفكر الكـليل" ، قال عنه والدنا رحمه الله في مخطوط كتابه "المؤلفون السوسيون " ، حيث ذكر عند التعريف به : « كنتُ جمعته سنة 1341 هـ بإذن من سيدي سعيد التناني ، وقد حثني على أن لا أفرط فيما قرضته ، وهو صغير في كراسة » .اهـ

وهو في  ستين صفحة ، مقاس 12 /19 ، و يضم غالب قصائده  وأبياته الشعرية العديدة التي أنشأها في فترة تلقيه العلم بمراكش ، وقد نشر منه تقريبا نصفه أو يزيد ضمن مؤلفاته ، وبآخره القصيدة التي خاطب بها الشيخ عبد الحي الكتاني في 4 المحرم 1343هـ  ، ومما جاء في مقدمته للقصيدة : الذي قصدت النزول عليه يوم وفدت على فاس للأخذ عن علمائها في القرويين ، وقد كنت قلت هذه القصيدة بمراكش بأمر القاضي سيدي محمد بن الحسن ... اهـ ... والقاضي هو شيخه سيدي محمد بن الحسْن المراكشي الدباغ ، الذي ترجمه في كتابه "مشيخة الإلغيين من الحضريين" بين صفحات : 145-155  والمتوفى في 23 سبتمبر 1929م .

وهذه القصيدة الواوية لم يُذكر مطْلعها من قبل ، حيث انه في ترجمة القاضي المذكور ترك فراغا عند ذكرها، كما هو مبين في الصفحة : 153 من ترجمة القاضي في "المشيخة"، وكما هو الشأن أيضا عند ذكر القصيدة بدون مطلع ولا معلومات عنها فيما كتبه والدنا في صفحة : 225 من الجزء الثاني من كتابه "الإلغيات" ، عند ذكر سيرته المسماة :"على قمة الأربعين" ....

وهي في 59 بيتا ، أوّلها :

أتبغون مني أن أعوج إلى السلوى  =  وقد حَلأَت عن ذلك الحرَم القَصْوَا

إلى أن قال في البيت 43 :

يقولون تثوي فاسَ ذا غربة وهل  =  غربت وعبد الحي فيها أبو المثوى

واختتمها بقوله :

فاغمر أقطار البلاد بمدحه  =  واشدو بأشعار الثناء له شدْوا

وقد ذكرنا بعض ما كتبناه هنا في هامش كتاب "المؤلفون السوسيون" عند التعريف بالديوان المذكور المدونة فيه هذه القصيدة ، والذي نحن بصدد تهييئه للطبع ، وليعجل الله بنشر هذا الكتاب ونشر الديوان من بعده ، وبالله التوفيق .
رضى الله عبد الوافي المختار السوسي

الرباط في : 20 رمضان 1435هـ / 18 يوليوز 2014م

الخميس، 19 يونيو 2014

عن العلامة الفقيه سيدي محمد بن أبي بكر التطواني




بعد مذاكرة بيني وبين الأستاذ الكاتب سيدي رضى الله عبد الوافي ابن العلامة الأديب سيدي محمد المختار السوسي حول العلامة الفقيه سيدي محمد بن أبي بكر التطواني السلاوي، أعارني ـ مشكورا ـ البحث الذي كتبته السيدة أسماء التطواني لنيل دبلوم الإجازة، والذي عنونته: "الفقيه التطواني ودوره في البحث العلمي"، وبما أنها ابنة المتحدَّث عنه، فإن بحثها لاشك سيكون فيه معلومات مهمة مما استقته عن والدها مباشرة ورَوَته عنه من غير واسطة.
وقد ذكرت أنها حين كانت تفكر في موضوع البحث، اقترح عليها والدها بعد أنِ استشارته، الكتابة عن الإمام المقري صاحب كتاب: "نفح الطيب"، أو الكتابة عن المؤرخ المراكشي العلامة القاضي العباس بن ابراهيم التعارجي صاحب "الإعلام" ، غير أن أستاذها السيد الغازي علال اقترح عليها أنْ تكتب في سيرة والدها العلامة، وبعد تردّد منها وإعراض مِن والدها الذي كان شديد العزوف عن التحدث عن نفسه، ومع إصرار الأستاذ المشرفِ عليها، تَيَسّرََ لها الأمر، وانفتحتْ لها سُبل هذا البحث الطيّب في التعريف بوالدها.


خصّصََتِ (الفصل الأول) منه للحديث عن أصل العائلة التي نزلتِ الشاوية نازحة من الشرق في جملة القبائل العربية، وبينتْ أن نسبة التطواني راجعة لبعض أسلافهم الذي أمضى في تطوان بعض مدة، فلما عاد لسلا صار يدعى بالتطواني، فاستمر إطلاق هذه النسبة على العائلة إلى اليوم، وبعد الحديث عن مسقط رأس المترجَم له وبيئة النشأة المحيطة التي أثّرت في تكوين شخصيته، اتجهتْ للكلام عن ثقافته، وطبعا كان مُبتدأ الرحلة الكُتّاب الذي دخله وهو لم يُكمل أربع سنوات من عمره، فذاق في تلك المرحلة قسوة المُعلمين الذين كانوا يَرون الضرب أحسن وسيلة لتثبيت الحفظ وتنشيط الذاكرة.  

وفي سنة 1337هـ التحق بجامع القرويين بمدينة فاس، غير أن والده توفي في نفس السنة، فعاد إلى سلا ليشتغل مدة سنة بإحدى الوظائف، ثم رجع ـ من جديد ـ إلى فاس لمتابعة دراسته، فحضر دروس المشايخ والعلماء التي تُعقد بالقرويين وبالزوايا والمساجد والأضرحة..
وكان من سعادته تعرّفه على الشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني « الذي فتح له قلبه، كما فتح له خزانته، وأدنى منزلته، وأصبح يعتبره واحدا من أبنائه »، وحيث أن الفقيه التطواني كان صاحب أسلوب أدبي بديع في كتابة الرسائل؛ فقد كان « الشيخ عبد الحي يستعين به ويتخذه كاتبا لرسائله وناسخا لتآليفه »، وقد استفاد من قربه من الشيخ عبد الحي، وحضوره لمجالسه، ودخوله لخزانته، فتعرّف على مشايخ أجلة كانوا يفِدون لزيارة هذا العالم الكبير وزيارة خزانته التي كانت مضرب المثل في كثرة محتوياتها وتنوعها..
أما شيوخ العلامة الفقيه سيدي محمد بن أبي بكر التطواني الذين استفاد منهم، فـ « يتجاوز عددهم الخمسين، أما الذين أجازوه فنحو الثلاثين ».
فمن العلماء المغاربة الذين أجازوه: الشيخ عبد الحي الكتاني، والشيخ فتح الله البناني. 
ومن العلماء المشارقة: الشيخ زاهد الكوثري، والشيخ عبد الباقي الهندي، والشيخ بخيث المصري، والشيخ عمر حمدان، وغيرهم.

وقد ترك عدة مؤلفات، منها: "ابن الخطيب من خلال كتبه". و: "جلال العرش المحمدي في ظل راية القرآن" وهو كتيب صغير، لا يتعدى 25 صفحة، نُشر بالمطبعة المحمدية. و: "ذيل على فهرس الفهارس" الذي قالت عنه ابنته: « كتاب لا زال مخطوطا ، عثرت على بعض النسخ منه، وهذه النسخ عبارة عن تراجم حياة مائة وستين من العلماء والأدباء لم يتعرض لهم صاحب "فهرس الفهارس"، رجع الفقيه في ترجمة حياتهم إلى عدد من الكتب والمخطوطات النادرة، وبحسب المصادر أو المراجع التي يقتبس منها تطول أو تقصر الترجمات..». و: "تراجم أعلام ما قبل القرن السابع الهجري"، لا يزال مخطوطا. و: "القاضي عياض"، لا يزال مخطوطا. و: "ولاية العهد في العرش المغربي"، وهو محاضرة صغيرة مخطوطة. و: "رسالة عن المكي البطاوري"، وهي « رسالة صغيرة لا تتجاوز بعض الكراريس، لا زالت مخطوطة، كتبها أيام مقامه بفاس، ونالت اعجاب عبد الحي الكتاني فقرأها في مجلسه على بعض أصدقائه، فقوبلت بالتشجيع من طرف عبد الرحمن بن زيدان، كما أعجب ها المعني بالأمر ـ المكي البطاوريـ فيما بعد فظل محتفظا بها ».

كما كانت للفقيه التطواني عدة رحلات للمشرق، كوّن فيها عدة صداقات مع رجال الفكر والسياسة والأدب ومع مستشرقين وغيرهم.
وخَصّصت (الفصل الثالث) من بحثها لإلقاء "أضواء على بعض إنتاجه". 
ثم خاتمة.

الاثنين، 17 مارس 2014

كتاب "المبشرون بالجنة" للشيخ العلامة سيدي عبد الله التليدي


من مؤلفات الشيخ المحدث سيدي عبد الله التليدي كتاب"المبشرون بالجنة"، ذكر فيه ما تحصّل عنده أنهم من المبشرين بالجنة، اعتمد في كتابتها على دواوين الحديث وكتب التفسير والسيرة والتراجم وغير ذلك.

والشيخ مسبوق في البحث في هذا الموضوع، ومِمّن ألف فيه قبله: 
- الفقيه الأديب الصوفي أحمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني (ت 1146)، له كتاب: عوارف المنة فيمن شُهد له بالجنة.
- والعلامة المسند الرحالة سيدي أبو سالم العياشي، له:" إظهار المنة على المبشرين بالجنة". 
- والشيخ الرباني سيدي عبد الكبير الكتاني، له: "جزء في المبشرين بالجنة من الصحابة" « أوصلهم إلى نحو المائتين »، ذكر ذلك الشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني في "فهرس الفهارس".

وقد جعل الشيخ سيدي عبد الله التليدي "المبشرون بالجنة" طبقات:
* الأولى: طبقة الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، قال: « وهؤلاء مقطوع لهم بالجنة ».
* الثانية: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « وهم أنواع: 1- أمهات المؤمنين نساء الرسول، ثم بناته وأولاده. 2- المبشرون في حياتهم. 3- المبشرون بعد وفاتهم، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم. 4- أصحاب بيعة العقبة، ثم البدريون، ثم أصحاب بيعة الرضوان. 5- عموم الصحابة والمهاجرين والأنصار وغيرهم..».
* « الثالثة: عامة الشهداء، وهم نوعان: شهداء الدنيا والآخرة (المعركة)، وشهداء الآخرة فقط.
* الرابعة: عموم المومنين.
* الخامسة: الأطفال الذين ماتوا دون الحلم، سواء أطفال المومنين أو غيرهم ».
وقد يأتي الشيخ في كتابه هذا بترجمة مُختصرة لبعض المبشرين، ويذكر النصّ الذي استند عليه، مع بيان درجة الأحاديث حسب ما حَكم به عليها حفاظ الحديث.

واحتلت البشارات المنامية حيزا مهما من الكتاب، جعلها خاتمته،
فذكر أزيد من 93 رؤيا، منها التي رآها بعض الصحابة، ومنها التي رآها أئمة الحديث أو رجال الترْبية والزهد والعرفان، وكان آخرها تلك المُبَشّرَة التي كتب بها إليه من القاهرة شيخه العلامة الحافظ سيدي أحمد بن الصديق الغماري يذكر له فيها ـ رحمه الله ـ أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه سأله أن يدعو الله له بالمغفرة، فقال له عليه الصلاة والسلام: "أنت مغفور لك، قلْ: اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق".

ومِن المبشرات التي ذكرها: رؤيا تخص الحافظ ابن تيمية رآها فيه تلميذه الحافظ ابن قيم الجوزية تدل على أنه من الفائزين. 

طُبع الكتاب بطنجة سنة 1989م، في 103 صفحة، ثم أعادت طبعه دار ابن حزم.

نسأل الله تعالى أن يَمُن علينا بدخول الجنة بلا سابق حساب أو عقاب، والحمد لله رب العالمين.