الأحد، 8 يناير 2023

استشهاد بعض العلماء بالحديث الموضوع !

 


قد يَهِم ويُخْطئ مَنْ يَعتمدُ ـ مِنَ السَّابقين والمُعاصرين ـ في تأليفه لكُتبه على ذاكِرته، لذلك تَجد عند مطالعتك لمؤلفات العديد من العلماء ممن اعتمد على حافظته على أوْهام عِدة،
ونفس الأمر تجده في كلمات ودُروس ومَواعظ المشايخ والدُّعاة التي ارتجلوها في مناسبات مختلفة،
فتراهم يَنسبون أقوالا للنبي صلى الله عليه وسلم وليسَتْ هي من كلامه عليه الصلاة والسلام !
أو يَنسبونها لمصادر ـ بعد البحث ـ لا تَجدها فيها ! وقد لا يَحضرهم مِنَ الأحاديث عند إلقائهم لتلك الكلمة، إلا ما اشتهر على الألسنة، وتكون إما واهية أو مَوضوعة !

لذلك كان مِنَ الدُّعاة مَنْ لا يُحِب الارْتجال، ولا يُلقي كلمة إلا بعد أنْ يكتبها في بيته بين كتبه ومراجعه، ثم يُلقيها على السامعين وهو يقرأها من الورقة.

واتهام عالِم كبير بأنه وَضَّاع لأنه استَشهد في كتابٍ بحَديثٍ نَسبه للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم ظهر أنه غير صحيح، ليس بالأمر السَّديد،
فإنَّ الخطأ لا يَسلم منه عالِم،
وتُهمة الوَضع ليست سهلة،
ومِنْ أين لنا أنه تَعمَّد ذلك ؟
فلا يُضيع الانسان آخرته بكلمة.

فقد تَخطر عليه ـ عند الكتابة ـ حِكمة لبعض الأولياء، فيَحبسها لسيد الأنبياء، فكلام بعض العارفين يُشبه كلام الأنبياء والمرسلين (*)، فيَنسبها إليه !
وليس كل مُحَدِّث له مثل قُوة حافظة الإمام البخاري والترمذي والدارقطني وابن عقدة.

ثم إنَّ الغَلط في هذا الباب لا يَسلم منه حُفَّاظ الحديث الكبار الذين أفنوا أعمارهم في هذا العِلم، وكانوا هُم المَرجع فيه، قال ابن المبارك: ( ومَن يَسلم مِن الوَهم ؟ ).
فتجد مِنهم مَن صَّنفوا كُتُبا قالوا أنهم جَمعوا فيها الأحاديث الصَّحيحة فقط، لكن عند التنقيب والتفتيش اكتُشِفتْ أحاديث موضوعة عديدة تسللت إليها  !
ككتاب المُسْتدرك على الصحيحين للإمام الحاكِم، فقد نبه الحافظ الذهبي في التلخيص على ما فيه من الضعيف والمَوضوع،
فهل يُقال عن مثل الإمام الحاكم أنه مِنَ الوَضَّاعين لأنه قيَّد تلك الأَحاديث في مُستدركه وهي مَوضوعة غير صَحيحة ؟
طبعا لا، بل هو مِنْ أئمة الحديث الكبار في هذه الأمة المُحمدية المباركة، وكتابه مُفيد لا يَسْتغني عنه مُحَدث.

وهذا الإمام الحافظ المُجدد جلال الدين السُّيوطي قال في خُطبة الجامع الصغير أنه صانه عما تفرد به وضَّاع أو كذاب، فإذا في كتابه أحاديث موضوعة عديدة، جمعها الحافظ سيدي أحمد بن الصديق في المُغير.
فهل يَجرؤ أحد على اتهام هذا الإمام الحافظ الكبير بأنه وَضَّاع ؟
طبعا لا، فهو شيخ الحديث في زمانه، وهو مِمَّن نتقرب إلى الله بمَحبته، وكتابه من مراجع الباحثين والمُحققين والمُحدثين إلى يومنا هذا.

ورأيتُ الإمام المحدث سيدي عبد الله بن الصديق الغماري في كتابٍ له استَشهَد بحديث في فضائل النبي عليه الصلاة والسلام، وكان ذكَر في أوله أنه لمْ يَسْتشهد في ذلك الكتاب إلا بأحاديث ثابتة صحيحة،
ثم رأيته في كتاب آخر اعتذر على استشهاده بنفس الحديث، أظنه ذَكرَ أنه موضوع، وقال أنه قلَّد فيه الإمام السيوطي، وتَشعر مِنْ كلماته أنه تأثر كثيرا لأنه أدخل ذلك الحديث في كتابه ذاك  !
مَقامك يا سيدي كبير عند تلامذتك ومُحبيك، ولن يُؤثِّر في مَحبتهم لك، وتَقديرهم لعِلمك، واعترافهم بمَكانتك وعَملك وجُهودك، وُجود أخطاء وهفوات فيما كتبتَ، فمَنْ ذا الذي صَنَّف ولم يَقع في مثلها ؟

علينا أن نَعْذر العلماء ونُحسنَ الظن بهم، ونَتلطف مَعهم، ونَترحَّم على مَن تُوفي مِنهم ونَذكُرهم بالخير، ونَقبل اعتذار مَن اعتذر منهم، ونُقَبل رُؤوسَهم وأيْديهم، ونَحترمهم، ونتأدب معهم، ولا نَرميهم بتُهمة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم إذا ما استشهدوا في بعض مُصنفاتهم بحديث موضوع،
فما كانوا ليَتعمدوا الكذب عليه صلى الله عليه وآله وسلم،
إنما وقع لهم سَهو، أو أخطأوا في الاجتهاد والحُكم، أو كانت كُتبهم بَعيدة عنهم، فاعتمدوا على ذاكرِة ظنوها لا تزال قَوية، فخانتهم.
--------------------------
(*)
كان الإمام سيدي محمد الباقر إذا ذُكر عنده الإمام الحَسن البَصري يقول: ( ذاك الذي يُشبه كلامه كلام الأنبياء ).
وقال حُجة الإسلام الإمام الغزالي: ( كان الحَسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء ).


الخميس، 5 يناير 2023

كتاب فتح الفتاح على مختصر الشيخ خليل !


 

صفحات العلماء والمشايخ، مغاربة ومشارقة، بَشَّرت البارحة بصُدور كتاب "فتح الفتاح على مختصر الشيخ خليل"، للعلامة الفقيه القاضي سيدي الحسن بن رحال بن أحمد بن علي المعداني التدلاوي، المتوفى سنة 1140هـ،

وهو حَدث علمي كبير، يَستحق أن يُعلن عنه ويُحتفل به، فالكتاب ضخم جدا، ولم يُطبع مِنْ قبل، وهو في شرح كِتاب يُعَد من من الكتب المعتمدة في الفقه المالكي،

ومن العجيب أنه بقي محفوظا كل هذه المدة، لم تأكله الأرضة، ولم يُصبه التلف، ولم يتعرض للحرق أو الضياع..

لكنْ إذا علمتَ أن المُؤلف استَأذنَ في كتابته شيخه العارف بالله سيدي أحمد بن عبد الله معن الأندلسي الفاسي، وأن هذا العارف الكبير كتب له البسملة في أوله وأذِن له، زال العجب.

ولاشك أنَّ تأليف مثل هذا الكتاب الكبير يَحتاج لعلم غزير، وصبر طويل، وعزيمة قوية، ولمراجع كثيرة، وهي في زمانهم كانت بخط اليد،

وليست خطوط العلماء كلها سهلة القراءة مفهومة،

وليست المؤلفات التي كانوا يُطالعونها كَكُتب زماننا المطبوعة أحسن طباعة، الواضحة الخطوط، المُفهرسة بحيث تصل للفائدة في أقل من دقيقة..

تُرى لو تَوفر لأولئك السادة الكمبيوتر والمكتبة الشاملة، ماذا كانوا سَيُصَنفون لنا ؟!

أما مُؤلِّفُ الكتاب، فهو أحد رجالات المغرب العظام وعلمائه الكبار الفخام، نعته العلامة المؤرخ سيدي عبد الرحمن بن زيدان بـ: (نادرة الزمان، وأعجوبة الأوان)، ونعته الإمام سيدي محمد بن الطيب القادري بـ: (الفقيه الكبير، حافظ زمانه، صاعقة المطالعة والتدريس)، والثناء عليه كثير.

أخذ العلم عن أكابر وقته، كشيخ الجماعة بفاس، الإمام القدوة سيدي عبد القادر الفاسي، والإمام المجدد سيدي علي اليوسي، والإمام سيدي محمد المسناوي، وغيرهم.

وأخذ العلمَ عنه سادة كبار، منهم الإمام سيدي احمد بن مبارك السجلماسي، والعلامة سيدي الكبير بن محمد السرغيني، والعلامة المفتي سيدي محمد بن عبد الصادق الدكالي وغيرهم،

وترك عدة مؤلفات، منها: "الارتفاق في مسائل الاستحقاق"، و"كشف القناع عن تضمين الصناع"، طبعا أكثر من مرة، وحاشية على شرح ميارة على التحفة، وغير ذلك.

كان ـ كما ذَكَر صاحب التقاط الدرر ـ كثير الانصاف، متواضعا، سليم الصدر، كريم الأخلاق، حلو المداعبة، مفضالا.

ابتَدأ قراءة كتاب "الشفا" للقاضي عياض وهو مَريض، فكان الطلبة يدخلون عليه للقراءة عليه، فتوفي رحمه الله وهو يَقرأ هذا الكتاب المبارك، ودفن بضريح بضريح أبي عثمان سعيد المشنزائي خارج باب وجه العروس بمكناس.

الجمعة، 16 ديسمبر 2022

العلامة أحمد بن المامون البلغيثي واجتماعه بالعلامة السيد أحمد البرزنجي!


 

وأنا أطالع اليوم في كتاب "مباحث في عقائد أهل السنة المسمى: المهند على المفند" للإمام المحدث خليل أحمد السهارنفوري (ت 1346هـ) ، جاء في (ص 125) بعد أن ذَكر ما كتبه العلامة السيد أحمد البرزنجي على هذا الكتاب، قال: (تصديقات العلماء على الرسالة المذكورة للبرزنجي)، فذكر اسم 21 عالما،

قال: [ 4- أحمد بن المأمون البلغيش (خادم العلم بالمسجد النبوي) ]. والصواب أنه: "أحمد بن المامون البلغيثي" وليس البلغيش، وهو العلامة القاضي الفقيه الأديب الفاسي المشهور، المتوفى بفاس سنة 1348هـ،
وقد كان رحمه الله حج في سنة 1328هـ، ذكر ذلك ولده عبد الملك في الترجمة التي وضعها له آخر الجزء الأول من كتاب "تشنيف السماع"، وقال أن والده كان ينوي أن يبقى هناك سنة كاملة حتى يحج العام القادم أيضا، لكن حددث ما دعاه للرجوع لبلاده
ورسالة العلامة البرزنجي كتبها أو أتمها يوم 2 ربيع الأول 1329هـ، فيكون العلامة أحمد بن المامون البلغيثي بقي هناك بعد الحج، وألقى دروسا في المسجد النبوي، ثم أطلعه العلامة البرزنجي على الرسالة التي كتبَها، فوافقه عليها..
وقد يكون قرأ عليه، أو أجيز منه، لكنني لم أر من ذكر أن من شيوخه العلامة البرزنجي.
وممن اجتمع بالعلامة أحمد بن المامون البلغيثي تلك السنة، وهو في سفره لأجل الحَج: العلامة شيخ بن محمد الحبشي باعلوي (ت 1348هـ)، ذَكر ذلك في كتابه المعنون: "الشاهد المقبول بالرحلة الى مصر والشام وإسطنبول" (ص 312) قال: (فلمحت عيني رجلا من المغاربة، فتوسّمت فيه العلم والولاية).
وقال أيضا في تصديقات العلماء على رسالة البرزنجي: [ 7- عبد الله القادر بن محمد بن سوده (خادم العلم بالحرم النبوي الشريف) ].
والمذكور هنا بدون شك هو: العلامة الفقيه القاضي عبد القادر بن محمد بن عبد القادر ابن الطالب ابن سودة الفاسي، المتوفى سنة 1389هـ،
فقد ذكر ولده العلامة المؤرخ عبد السلام ابن سودة في ترجمته في سل النصال (ص 205)، أنه حج سنة 1328هـ،
فيكون اجتمع هو أيضا بالعلامة البرزنجي، واطلع على ما كتبه في رسالته تلك، فوافقه على مضمونها..
وفي الغالب ألقى دروسا عدة بالمسجد النبوي حتى استحق أن ينعت بخادم العلم بالحرم النبوي الشريف.

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2022

كتاب المولد السعيد للعلامة إدريس بن المختار التاشفيني

 


صَنَّف في مَولد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة كبيرة من العلماء والمحدثين والصوفية من مختلف البلدان الإسلامية، وقد أحصى العلامة الكبير الشيخ سيدي عبد الحي الكتاني في كتابه "التآليف المولدية" 125 عنوانا في هذا الباب، وأحصى الدكتور صلاح الدين المنجد الدمشقي في كتابه "معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " 160 عنوانا !

ومَن يقرأ هذه المُصنفات يزداد محبة للنبي الأكرم سيدنا مُحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ففيها يَدري عُلو قدره وسُمُو مكانته عند ربه جل جلاله، ويعلم ما حَصل عند ولادته عليه الصلاة والسلام من الآيات الباهرات، كما يجد فيها نسبه، وصفته، وشمائله، ومعجزاته الساطعات..

وقد صارت هذه المُؤلفات تُقرأ خاصة في ذكرى مولده عليه الصلاة والسلام، كما تُقرأ في غيرها من المناسبات الدينية،

وتجد من المُحبين مَن يعتني بجمعها، ومنهم مَن يحرص على روايتها، وبعضهم يَحفظها !

وكان الشيخ الفقيه الناظر الصوفي سيدي محَمد بن مُحمد الحجوجي الجديدي رحمه الله تعالى، أهداني في بيته مَولد والده المُعَنون: "بلوغ القصد والمرام بقراءة مولد خير الأنام"، وسَمعتُ من بعض الناس أنَّه يحفظه، فكنتُ أتعجب من ذلك وأستغربه !

حتى حَضرتُ سنة 2014م أربعينية ابنته السيدة نجيبة، التي توفيت هي وزوجها في حادثة سير أليمة، فرأيته تَلا هذا المَولد أمام الناس كاملا من حفظه، دون الحاجة للنظر في الكتاب ! فصدقتُ حينها ما قيل.

ومن المؤلفات المولدية التي فاتَ الدكتور صلاح الدين المنجد ذِكرها في كتابه السابق ضمن المصنفات في هذا الباب: كتاب العلامة الفقيه الصوفي، الشيخ الرباني، سيدي إدريس بن المختار التاشفيني الفاسي ثم الجديدي، المُعنون: "المولد السعيد في ميلاد الرسول الشفيع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم"،

وهو كتاب طُبع في حياته بالدار البيضاء، لطيف في حجمه، صاغه بأسلوبه الجميل، في 31 صفحة،

افتتحه بكلمات في العقيدة مما يجب على كل مسلم معرفته، ثم مَر للحديث عن فضل النبي عليه الصلاة والسلام وبيان ما أكرمه الله تعالى به من الفضائل والخصائص والمميزات، وما يجب على أمته تجاهه مِنَ التعظيم والبر والتوقير،

كما تحدث فيه عن طهارة نسبه، وذَكر خبر ولادته، ونشأته، وأحواله، وشمائله، وعلامات محبته..

وخَتمه بالدعاء والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم بقصيدة بديعة لشاعر دكالة، الأستاذ الأديب سيدي سعيد التاشفيني، نظمها بمناسبة المولد الشريف، فكانت خير إضافة وأحسن خاتمة للكتاب.

وقد تبركتُ بقراءة صفحة منه على ابن المُصنف: الشيخ الجليل، الولي الصالح، الأستاذ الفقيه النحوي، سيدي الحسن بن إدريس التاشفيني، وهو من الرجال المباركين الذين سعدتُ برؤيتهم واغتبطت جدا بالاجتماع بهم..

وكانت ابنته الأستاذة سُكينة بنت الحسن التاشفيني قد أهدت إليَّ ـ جزاها الله خيرا ـ عدة نسخ من هذا المولد اللطيف الماتع، أهديتُها بدوري لمشايخ كرام وعلماء أجلة مغاربة ومشارقة، فمثلهم مَن يعرف قيمة مثل هذا الكتاب..

ومثل هذه الكتب التي تُذَكرنا بأعظم نعمة أنعمها الله تعالى علينا، تحتاج أن تكون في بيت كل محب له عليه الصلاة والسلام، وإنها لجميلة، ممتعة، مفيدة.. فاحرص على أن يكون بعضها عندك في خزانتك.

رحم الله الشيخ الجليل سيدي الحَسن، ووالده العلامة الكبير الشيخ سيدي إدريس الذي صنف هذا التأليف، رحمة واسعة.

 

 


الأحد، 22 مايو 2022

كتاب "لواقح الأزهار الندية" للعلامة محمد بن عبد الكبير بن هاشم الكتاني !


 

مؤلفات المغاربة في علم التراجم كثيرة، تختلف في أحجامها ومواضيعها، بحيث لو جُمعت لملأت خزانة كبيرة !

فمنها التي تُترجم لرجال قرن محدد، أو لأبناء منطقة ما ببلادنا العزيزة، أو لأصحاب وظائف معينة، أو لأتباع طريقة صوفية، أو لأصحاب شيخ كبير عارف من أهل الحقيقة، أو تُعرّف بصنف من الناس لهم عناية بعلم خاص..

وكلها مفيدة ممتعة، يَفرح المغربي حين يُطالعها، ويَتيقن أن هذه البلاد مباركة، وأن تُربتها طيبة، وأنها كما يقولون: تنبت الأولياء كما تنبت الأرض البقل.

ومن آخر المصنفات في هذا الباب التي طبعت هذه السنة: كتاب "لواقح الأزهار الندية فيمن تولى وأقبر من القضاة والعدول وغيرهما بهذه الحضرة الإدريسية"، ألفه العلامة العدل النسابة الشيخ سيدي محمد بن عبد الكبير بن هاشم الكتاني، المتوفى بفاس سنة 1362هـ/1943م،

وهو كتاب يُطبع لأول مرة، نشرته دار الرشاد الحديثة-الدار البيضاء، قدّم له الشيخ الدكتور المحقق سيدي محمد حمزة بن علي الكتاني الذي أهداه لي جزاه الله خيرا، والذي يقول في أوله (ص 5) أنّ ( هذا الكتاب يُعتبر عملا مفردا في التأريخ لقضاة وعدول مدينة فاس الإدريسية )، وقال (ص 11) يُبشر عُشاق هذا النوع من التصانيف بأن ( للكتاب صنو آخر وهو قريب الصدور بإذنه تعالى، وهو تحفة الانشراح والانبساط فيمن تولى خطتي القضاء والعدالة بفاس العليا والسماط ).

وأما محققه فهو الأستاذ الدكتور سيدي محمد العمراني، وقد سبق له أن حقق كتابا لوالد المؤلف، وهو المعنون بـ "روض الأنفاس العالية في بعض الزوايا الفاسية"، نشرته دار الأمان-الرباط سنة 1435هـ/2014م.

وقد اعتمد في تحقيقه لكتاب "لواقح الأزهار" على كتب مطبوعة ومخطوطة، وعلى مجلات ومصادر ومراجع عربية وأجنبية،

وكتب مقدمة له طويلة في أزيد من 130 صفحة، تحدث فيها عن هذا التصنيف، وبيّن قيمته وأهميته.. وقال (ص 17) أن هذا الكتاب ( يُعد باكورة الآثار الفكرية المغربية المختصة بموضوع القضاء والعدالة بالحضرة الفاسية )،

وخَصص الفصل الأول من الدراسة للحديث عن عصر المؤلف، والثاني للتعريف بالكاتب، والثالث للحديث عن تاريخ التأليف وبواعثه، وبعض المعطيات الواردة فيه، وتحدث عن العدالة حقيقتها وفضلها وشروط ولايتها، ومصادر المؤلف التي اعتمدها في تدوين كتابه هذا، ومنهجه فيه..

وله هوامش كثيرة على الكتاب، عرّفنا فيها ببعض الأمكنة والمصنفات والأعلام الذين ذكرهم المصنف، وصحح بعض الأوهام التي وقع فيها، وفيها توضيحات واستدراكات..

كما وضع للكتاب فهارس مختلفة متنوعة، تساعد الباحث على الوصول للمعلومة في أقرب وقت.

وقد استمتعت بقراءته، واستفدت مما فيه من معلومات وتراجم..

ففي أوله يَذكر المُصنف سبب اهتمامه بالتصنيف في هذا الموضوع، ويُحدثنا عنه نفسه أنه كان (مولعا بعد بلوغه بالتقييد منذ زمن بعيد، ملازما له في الأوقات، مستعدا له في سائر اللحظات، حتى ملأ بذلك تقاييد رائقة وفوائد رائقة)، وقال أن والده كان يُشجعه كلما رأى ما خطته يمينه، ويدعو الله له، وليت الآباء يصنعون مثل هذا مع أبنائهم فيشجعونهم كلما رأوهم على عمل صالح نافع ويدعون الله لهم، فإن ذلك يؤثر كثيرا فيهم ويرفع هممهم..
ثم أتى بنصوص عديدة لعلماء عن فضل علم التاريخ، وفضل العدالة، وأنها وظيفة دينية تابعة لوظيفة القضاء،

وتحدّث عن العدول ودكاكينهم، وأماكن تواجدها بفاس، وكيف أنه خالطهم، وأن والده كان يوجهه إليهم، فهو يعرف أسماءهم ويصفهم ويذكر ملابسهم وكيف أن الناس كانت تحترمهم..

ثم شرع في التعريف بقضاة مدينة فاس، من (ص 208) إلى (ص 280)، ووددت لو أنه أطال في ترجمتهم..

ثم ترجم للعدول فيما تبقى من الكتاب، وتحدث عن بعض بيوتات فاس، وذكر التي انقرضت، وعن مقابر اندثرت، وترجم لبعض أبناء تلك البيوت من العدول.. فوائد متنوعة جميلة.

ومن فوائد الكتاب: أن القاضي إبراهيم التسولي التازي (ت 747هـ) لزم منزله بسبب المرض، فـ (كان ملك وقته يقدم عنده ليزوره). وأن القاضي أحمد بن العجل الوزروالي (ت 856) (كان يختم القرآن في كل أسبوع، وكان يعيد صلاته التي صلاها حين قاضيا)، وأن القاضي عبد الله الهواري (ت 401) (كان زاهدا في الدنيا)، وأن القاضي الحسن الونشريسي (ت بعد 790) خيّرته زوجته بالرجوع للقضاء أو ان يطلقها ! فرجع إليه، وأن القاضي مفضل العذري (ت بعد 681) (هو أول من سن سنة بناء المدارس بحضرة فاس)، وأن القاضي محمد ابن سودة (ت 1076) أوصى أن ينشد المارون بين يدي جنازته هذه الأبيات:

إلهي المالك الناصر * أتاك عبدك القاصر

ببابك يسأل العفو * عن ذنب ماله حاصر

أنظر تتمتها فيه.

وأن القاضي محمد يعيش الرغاي الشاوي (ت 1150هـ) قتله اللصوص في بيته، وأن القاضي عبد القادر ابن شقرون (ت 1219) حضر جنازته السلطان المولى سليمان، وأن القاضي أحمد ابن التاودي ابن سودة (ت 1235هـ) عاده السلطان المولى سليمان ين مرض، وأن القاضي يوسف البوعناني (ت 1206) (ولي القضاء بفاس وهو ابن عشرين سنة) !

وفي الفصل الذي خصصه لترجمة العدول فوائد أخرى جميلة.

الأربعاء، 1 ديسمبر 2021

كتاب هداية أهل الخصيصة للإمام الشهيد سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني رحمه الله تعالى


 

أتممتُ اليوم قراءة هذا الكتاب، أهداه لي الشيخ الدكتور المحقق سيدي حمزة بن علي الكتاني جزاه الله خيرا، ألَّفهُ الإمام الرباني الشيخ سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني، وهو أحد كبار وأشهر رجالات العلم والتصوف ببلاد المغرب الأقصى في القرن المنصرم، وأحد الذين ذاع واشتهر اسمهم في المغرب والمشرق،

ولد سنة 1290هـ، وتوفي في مثل هذا الشهر من سنة 1327هـ/1909م، أي أن عمره حين توفي لم يتجاوز السابعة والثلاثين  !

قتله السلطان عبد الحفيظ، عَذبه بالسياط بقصر أبي الخصيصات إلى فارقت الروح الطاهرة الجسد، فاستشهد وارتقى لمقام عظيم.

لقد كان رحمه الله من العلماء الذين لا يقبلون الصمت والتفرج على الأحداث دون أن يقوموا بأي حركة أو اعتراض أو ينبهوا الحاكم إلى طريق الصواب، وذلك لا يستطيعه كل أحد.

ولحد الآن لا يُعرف مكان قبره  !

لقد أخفاه رجال السلطة حينما دفنوه  !

لكن، هاهي مؤلفاته تُنشر وتوَزع بالمشرق والمغرب، ولا تكاد تخلو مكتبة من كتاب من تأليفه، فمَن لم يكن سَمع باسمه فسيعرفه اليوم، ومن لم يعرف حكايته سيتعرف عليها الآن.

لقد نزل خبر موته حينها على المغاربة كالصاعقة، وبلغ مختلف المدن والأقطار..

قال ولده العلامة سيدي محمد الباقر الكتاني: ( لما بلغ خبر استشهاد المترجَم إلى الحجاز، اجتمع بالحرم المكي المقدس جمهور غفير من المسلمين على اختلاف ألسنتهم ومذاهبهم، وختموا القرآن الكريم عدة مرات، وأهدوا ثوابها لروحانيته الطاهرة )، كما صلوا عليه هناك في يوم الجمعة صلاة الغائب.. هكذا صنع المشارقة حين وصلهم الخبر،

ولاشك أن حُزن المغاربة كان عليه أكثر، وأثر موته عليهم كان أكبر..

وقد حصل بعد أن عَري السلطان عبد الحفيظ ـ الذي أمر بتعذيبه ـ مِن لباس الحُكم، وصار المولى يوسف مكانه، أنْ سعى للاجتماع في طنجة بالعارف الرباني الشيخ سيدي محمد بن الصديق الغماري، أوصاه بذلك الإمام سيدي محمد بن جعفر الكتاني، لكن السلطان ما وَجد إلا الصَّدّ ! فلم يَستقبله الشيخ ولا نزل عنده ولا فتح له باب بيته !! كل ذلك بسبب هذه الجريمة الفظيعة التي ارتكبها في حق هذا الإمام.

وإذا رأيتَ كيف يُستقبل اليوم مَن كانوا وُزراء وسُفراء في المنتديات واللقاءات والندوات.. بكل احترام وتقدير وإكبار.. علمتَ أن ما صنعه هذا الشيخ الجليل عليه الرحمة والرضوان مع هذا السلطان الذي كان يمتد حكمه إلى موريطانيا ومناطق شاسعة من الجزائر، لهو شيء غريب وعجيب  !

ومع أن الإمام الشهيد سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني لم يبلغ سن الأربعين، فقد خلّف ما يقارب ثلاثمائة كتاب ! وترك زوايا بمختلف مدن المغرب يُذكر فيها الله تعالى ويُقرأ فيها العلم..

وكان له مئات الآلاف من التلاميذ والمريدين بالمغرب والمشرق، بل قيل ان عدد مريديه بلغوا المليون !

ومَن اطلع على بعض رسائله التي طُبعتْ، علم أنَّ الرجل من شموس العلم والتقوى في ذلك الزمان.

وكانت له كرامات كثيرة، رآها الكثير من الناس، وسُجلت في الأذهان والدفاتر، هي دليل على صلاحه وصدقه وتقواه، ونتيجة حُسن اعتقاده واجتهاده في الذكر والدعوة والعبادة..

حدثني الشيخ الزاهد سيدي لَحْسن الدويلي رحمه الله تعالى بمنزله بالرباط، أنه حين زار مدينة الجديدة أول مرة، وكان ذلك منذ عقود، حدثه بعض أبناء الطريقة الكتانية، أنهم حين زارهم الشيخ سيدي عبد الحي الكتاني بعد وفاة هذا الإمام، سألوه أن يُريهم كرامة ! وذكروا له أنهم رأوا من شقيقه الأكبر شيخ الطريقة كرامات كثيرة، فأراهم هو أيضا البرهان..

الحق أنني أحب هذا الامام الشهم الهمام، وحين قرأتُ رسائله المطبوعة ـ وهي أول ما قرأت له ـ تعجبت مما فيها، وصار عندي معظما، ما دعاني إلى اقتناء العديد من مؤلفاته بعد ذلك، وسعدت أنها في مكتبتي..

وكتابه هذا لم يكتبه في بيته بين أهله وأولاده، بل كتبه في السفر  !

حتى وهو في السفر كان يشتغل بالتصنيف ! لم يكن يُضيع وقته  !

قال (ص 288): ( هكذا ظهر لي حالة الكتابة هاهنا في صحبة أهل الله، وكتبته ونحن في سفر). وقال (ص 112): ( هذا التأليف كله كتبناه ونحن في ضيافة السلطان عبد العزيز ابن السلطان حسن في سفر وزيره أبي العباس من آل موسى )، وقال (ص 362): ( ولم يحضرني لأنا في سفر الآن مع السلطان عبد العزيز ).

مواضيعه متنوعة، لخّصها الدكتور سيدي حمزة الكتاني في تقديمه له.

وفوائده كثيرة، وقد لخص لنا محققه الدكتور سيدي محمد إلياس المراكشي (في الصفحات: 45-47) مختلف القضايا الواردة في الكتاب: الفقيهة، والأصولية، والسلوكية الأخلاقية.

وقد استمتعتُ بحديثه عن حكم لبس الحرير، فقد أتى بنقول كثيرة في الموضوع، من الأحاديث النبوية، وأقوال أئمة المالكية، كالباجي وابن يونس، وابن رشد الذي يقول عنه (ص 170): ( ما أوسع دائرة حفظ الحافظ ابن رشد )، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن الحاج، وابن غازي، والرهوني وغيرهم، وتتبع ما نَقلَه عنهم يحتاج لصبر..

وهو إذا حَدثك عن الروحانيات ومقامات القلوب فليس هو فيها بناقل، بل هو ممن ذاق وغاص وعَرف..

يقول (ص 296) بعد كلام: ( وقد ذقت هذا المقام ولله المنة ). ويقول (ص 91): ( علومنا بحسب ما نُلهم، لا لنا من أمرها شيء ).

ومما قاله في هذا الكتاب وسجلته عند قراءتي له:

(ص 94): ( إنْ كان سيدنا آدم مُعلِّم الملائكة، فهو صلى الله عليه وسلم معلم الجميع ).

(ص 94): ( مقامات الأنبياء لا ذوق لنا فيها ).

(ص 333): ( عادات العارفين عبادات، فما بالك بعبادتهم ).

(ص 333): ( نفس واحد من مخلص، أحسن من حركات كثيرة من مُراءأو مُعجَب بنفسه أو متكبر).  

(ص 340): ( تخليل العادات بالعبادات هو دأب الصالحين ).

رحم الله هذا الإمام ورضي عنه وعن كل علماء الإسلام.