الأربعاء، 3 مايو 2023

كتاب رحلات علماء المغربين الأقصى والأوسط المكية للدكتور الناجي لمين


 

كتاب مفيد ممتع، تقرأه لحلاوته في جلسة، طبع سنة 2016، عدد صفحاته 71 صفحة، أهاده لي مؤلفه العلامة الدكتور الشيخ سيدي الناجي لمين جزاه الله خيرا، تحدثَ فيه عن الرحلات الحِجازية التي قام بها علماء المغرب الأقصى والأوسط خلال القرنين السابع والثامن، فعرَّف فيه بـ22 عالما من الذين رحلوا للمشرق وأدوا مناسك الحج والعمرة في تلك الفترة،
فمنهم من اجتمع بأبي طاهر السِّلفي المسند الكبير الحافظ، كمحمد بن قاسم التميمي الفاسي، ويحيى الزواوي.

ومنهم أحمد بن محمد التميمي القرشي السلاوي الذي أخذ عن عبد الرزاق ابن العارف الكبير سيدي عبد القادر الجيلاني، وهذا العالم السلوي لم أجد له ترجمة في مجالس دنية ولا إتحاف الدكالي !
ومنهم من أخذ عن الحافظ شرف الدين الدمياطي كعلي البجائي.

ومنهم من اجتمع بسلطان العلماء العز بن عبد السلام كأحمد بن عيسى الغماري، وناصر الدين منصور الزواوي المشدالي.

ومنهم ابن رشيد السبتي صاحب الإسناد العالي مؤلف "ملء العيبة".

ومنهم القاسم بن يوسف التجيبي الذي اجتمع في دمشق بشيخ الإسلام ابن تيمية وروى عنه.

ومنهم من اجتمع في مصر بالإمام الكبير ابن دقيق العيد، كالقاسم التجيبي، وإبراهيم بن يخلف المطماطي، ومحمد بن إبراهيم الآبلي.

ومنهم من اجتمع بالحافظ ابن قيم الجوزية كمحمد بن محمد بن أحمد المقري.

ومنهم الرحالة الكبير الشهير ابن بطوطة الطنجي الذي تُرجمت رحلته إلى الكثير من لغات العالم، وغيرهم.

وقد تحدَّث في كتابه هذا عن مقاصد هؤلاء العلماء مِن رحلاتهم تلك، وأن المقصد الأسمى منها كان هو: أداء فريضة الحَج وزيارة المدينة المنورة، ثم يأتي في الدرجة الثانية: مقصد طلب العلم.

ومن مقاصدهم أيضا: (تحصيل علوم لم يكونوا قد درسوها من قبل، أو الاستزادة من علوم كانوا قد نالوا منها نصيبا ببلدهم الأصلي الذي خرجوا منه)، و: زيارة الأماكن المقدسة ببلاد الشام ولقاء العلماء الأعلام، والقراءة عليهم والرواية عنهم..

ومن النتائج المهمة لهذه الرحلات: تصنيف مؤلفات مهمة فيها معلومات عن تلك البلدان التي زاروها، ومعالم المدن التي دخلوها، وتراجم مَن لقوا فيها مِن العلماء الأفذاذ، وما أخذوه من أسانيد عالية، وما دَرَسوه هناك من كتب علمية..

فذكر لنا المؤلف في المبحث الثاني من كتابه عناوين فهارس وبرامج لأولئك العلماء، وأعطانا فكرة عن موضوع كل كتاب، وإنْ كان طبع أو هو من المصنفات المفقودة..
كما تحدث عن كون كتب رحلات العلماء المغاربة تُعد مصدرا من مصادر تاريخ بلاد الحجاز، ونقل كلاما مهما حول ذلك من كتاب "الرحلات المغربية والأندلسية مصدر من مصادر تاريخ بلاد الحجاز في القرنين السابع والثامن الهجريين" لمؤلفته الدكتورة عواطف محمد يوسف نواب.

وبين أيضا أن تلك الرحلات التي ألفوها تُعد مصدرا من مصادر التاريخ الحضاري والسياسي والثقافي لمدينة الإسكندرية، والقاهرة، ولمدينة الخليل، والقدس، وعسقلان، وغزة وغيرها من المدن المشرقية.

ومن نتائج تلك الرحلات: (إدخال كتب فقهية كان لها أثر بارز في تطور الدرس الفقهي)، فذكر في هذا العنوان مَن أدخل كتاب "المختصر الفرعي" لابن الحاجب للمغرب، وكيف اعتنى فقهاء المغرب به حتى كان منهم من يحفظه عن ظهر قلب. ومَن أول من أدخل إليه مختصر الشيخ الخليل، وما كان أثره بعد أن تعرف علماء فاس عليه...

هذا بعض ما في الكتاب من موضوعات جميلة وفوائد قيمة، وكتب الرحلات الحجازية المغربية كلها نفيسة، ممتعة، رائعة. 

أحوال عبد الله بن الزبير للعلامة المحدث محمد يونس الجونفوري


 

كتابٌ في سيرة الصحابي سيدنا عبد الله بن الزبير، ألفه العلامة المحدث الشيخ سيدي محمد يونس الجونفوري الهندي عليه الرحمة والرضوان، نشرته مكتبة قاسم العلوم سنة 1442هـ/2021م بعناية الشيخ محمد عمار سليم، وعدد صفحاته: 140.

أهداه لي تلميذ المؤلف الشيخ العلامة سيدي محمد أيوب السورتي جزاه الله خيرا، ففرحت به، خاصة أنه في التعريف بأحد الصحابة الكرام الذين نُكن لهم كل المحبة والإجلال، والذين كلما اطلعتَ على سِيَرهم إلا ويزداد تعظيمك لهم وأدبك معهم..

لقد كان سيدنا عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أول مولود وُلد للمهاجرين بالمدينة، فكان فرحهم بمَولده كبيرا، وذلك لأنه قيل لهم أنَّ اليهود قد سَحرتكم فلا يُولد لكم ! وقد أذَّنَ في أذُنه جَدّه الصِّديق، وحَنكه أفضل الخلق مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له، وبَرك عليه، وسَمّاه، وكان أول ما دخل جوفه ريقه عليه الصلاة والسلام.

والده هو حواري النبي صلى الله عليه وسلم، أحد المبشرين بالجنة، وأحد أبطال الإسلام، سيدنا الزبير بن العوام.

وأمه هي ذات النطاقين، سيدتنا أسماء بنت أبي بكر الصديق.

وخالته هي أم المؤمنين سيدتنا عائشة وكانت رضي الله عنها تحبه.

قال بعضهم: (كان ابن الزبير لا يُنازع في ثلاث، في العبادة، والشجاعة، والفصاحة).

أما العبادة فكان لا ينام الليل، يُطيل القيام في الصلاة، ويطيل الركوع والسجود، وكان دائم الصيام، يُوَاصل سبعة أيام، ولا يؤثر ذلك فيه !

وأما الشجاعة، فعُرف بها، وكان يُضرب به المثل في الشجاعة، شَهد له بها العدو والصديق.

وأما الفصاحة، فكان من خطباء الإسلام، قال له والده وقد سمعه يخطب: (والله لكأني أسمع خطبة أبي بكر الصديق حين سمعت خطبتك يا بني).

من مباحث الكتاب الممتعة المفيدة، والتي خَصص لها الكاتب صفحات عديدة، ما ذَكَره عن حُكم دَم النبي صلى الله عليه وسلم وبَوله، فقد شرب عبد الله بن الزبير في طفولته دمه عليه الصلاة والسلام !

أتاه وهو يَحْتَجم، فدعاه صلى الله عليه وسلم إلى أنْ يهرق الدم حيث لا يراه أحد، فقام عبد الله بن الزبير بشربه، فلما رجع للنبي صلى الله عليه وسلم سأله: ما صنعتَ يا عبد الله؟ قال: جعلتُه في مكان ظننتُ أنه خافٍ على الناس، فقال له: فلعلك شربتَه؟ قال: نَعَم، فقال له عليه الصلاة والسلام: ومَن أمرك أن تشرب الدم ! ويلٌ لك من الناس، وويلٌ للناس منك.

وقد قال بطهارة دمه عليه الصلاة والسلام علماء كُثر، تجد أسماءهم وأقوالهم والنقول عنهم في الكتاب.

لم يُرزق الشيخ الجونفوري بأبناء، فلم يتزوج رحمه الله قط، لكن من سعادته وجود تلاميذ له يُحبونه ويعظمونه ويهتمون بعلمه، وينشرون ما خطته يمينه، فهنيئا له.

الثلاثاء، 11 أبريل 2023

كلمة عن كتاب "الغصن الوراف في إجازة الحبيب السقاف" لمؤلفه الشيخ الدكتور سيدي حمزة بن علي الكتاني


 

أتممتُ اليوم قراءة هذا الكتاب القيم المفيد، قرأته ـ على غير عادتي ـ في وقت وجيز، فهو من ذاك النوع من المُصنَّفات التي أهتم بها وأحرص على اقتنائها، ولم أشعر عند قراءته بملل أو كلل، بل بلذة ومتعة ونشاط عجيب.

أهداه لي مؤلفه الشيخ الدكتور المحقق سيدي حمزة بن علي الكتاني، فسرني ذلك جدا، فهو أول مُعجم شيوخ أستلمه مِنْ يد مُصنفه، زاده الله من فضله.

وبمطالعته تَعلم ما لفضيلته من اهتمام كبير بعلم الحَديث وحِرص شديد على الإسناد الذي هو من خصائص هذه الأمة المحمدية المباركة.

كما تعلم ما له مِنْ رواية واسعة، بل ما عَرفتِ الرباط العاصمة ـ حسب علمي ـ من أبنائها مَن بلغ هذا العدد مِن المشايخ الذين أخذ عنهم الدكتور حمزة، فقد أجازه أزيد من 600 شيخ وعالِم من مُختلف المدن والدول والأقطار، وهذا ـ في وقتنا ـ شيء عجيب !

غير أنه لم يذكر في "الغُصن الوراف" سوى 71 منهم، تختلف مذاهبهم ومشاربهم، عَرّفنا بهم، وذَكر لنا بعض مناقبهم وذكرياته معهم، وسرد لنا عناوين مصنفاتهم، وأسماء شيوخهم، ونقل لنا بعض ما استفاده منهم وسمعه عليهم..

والكتاب نُزهة لمنْ يعتني بعلم التراجم ويُحب مطالعة المؤلفات التي تهتم بسِيَر الأعلام، فسيجد فيه تراجم علماء ومشايخ كرام لعله لم يسمع مِنْ قبل بهم.

افتتحه بترجمة والديه، ونِعم ما صَنع، وختمه بترجمة المسند الكبير الشيخ صالح الأركاني البرماوي.

كما سيجد فيه مَن يهتم بعِلم الرِّواية بُغيَتهُ، فيَعرف مِنْ خلال مطالعته ما لأولئك المشايخ الأجلة من مَرويات وأسانيد.. كما يجد فيه عدة إجازات مصورة.

وللأديب نَصيبه من الكتاب، ففيه عدة قصائد شعرية، نظمها المؤلف في رثاء عدد من شيوخه، منهم: والده، والشيخ عبد الحي بن الصديق، والشيخ محمد الشوني، وجده الشيخ المنتصر الكتاني، والشيخ مَحمد بن محمد الباقر الكتاني، والشيخ عبد الله بن الصديق، والشيخ عبد العزيز بن الصديق، والشيخ محمد المنوني، رحمهم الله تعالى جميعا.

كما تجد فيه الكثير من الأبيات الشعرية زادت الكتاب جمالا، أو هي مما أنشده مشايخه حين جالسهم وسَجَّله.

ومما أعجبني في الكتاب، أنه:

-  ذَكَر استفادته ممن هو أصغر منه سنا، وذَكر أسماء العديد ممن هم في مثل عمره أو أكبر قليلا، أشار إليهم على أنهم من كبار المُسندين، ونَوه بهم كي يستفيد الناس منهم.

-  وأنه عَبَّر فيه -بكل جرأة وحُرية - عن أفكاره وآرائه، وعن انطباعاته حول تلك الشخصيات العلمية والصوفية..

-  وأنه حكى لنا فيه بعض ما رآه من منامات في أولئك السادة الأكابر، وبعض ما لهم من غريب الكرامات التي لن تقبلها عقول من لم يصحبوا الأولياء ولم يروا مثلها في أنفسهم.

وقد ضم إلى "الغصن الوراف":

- "الأمالي السكندرية"، وهي كلمة طويلة مفيدة كان ألقاها بمسجد المواساة بمدينة الاسكندرية بمصر سنة 2013، تكلم فيها عن الحديث المسلسل بالأولية.

- و"الطارف والتليد" وهي إجازة أجاز بها صاحب المصنفات الجميلة النافعة، الشيخ المسند النسابة، سيدي محمد آل رشيد، أحد علماء السعودية.

فهنيئا للمكتبة المغربية والإسلامية بهذا التصنيف الجديد، وجزى الله الدكتور سيدي حمزة الكتاني خير الجزاء على هذا العمل النافع المبارك المفيد.

 


الأربعاء، 15 مارس 2023

ظلم المجتمع العربي للمرأة المطلقة

 نظرات الناس اليوم للمرأة المطلقة فيها الكثير من الطمع والريبة وسوء الظن، فلذلك يكثر تجنبهن، والبعد عنهن، والحذر منهن، والقيل والقال فيهن.

وتصير مراقبة في كل حركة تفعلها وكل خطوة تخطوها، وتُقيد حُرِّيتها بقيود ثقيلة جائرة.

وإنْ هي ـ يوما ـ تَزينتْ وطلبت التزويج، قيل عنها أنها فاجرة !

وما ذلك كله إلا بسبب فشو الجهل، والغفلة عن الإحساس بمتطلبات الآخرين.

 

بين يدي الآن كتاب "المُردفات مِنْ قريش" للإمام أبي الحسن علي بن محمد المدائني (ت 225هـ)، طبع سنة 1951م ضمن مجموع، بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون رحمه الله تعالى، يذكر فيه الإمام المدائني النساء القُرشيات اللواتي تزوجن زوجاً بعد زوج، ولم يكتفين بزوج واحد لظروف متباينة، إما لكونهن مات عنهن أزواجهن في الجهاد، أو لأنهن تطلقن..

 

فلم يكن مجتمع الصحابة رضي الله عنهم ينظر إلى المرأة المُطلقة بتلك النظرة الدونية التي يُنظر إليها اليوم، بل كانت المرأة محترمة، يُقبل على الزواج منها وإن كانت طُلقت ولها أبناء.

 

وقد ذكر الإمام المدائني في كتابه 28 قُرشية، 

ابتدأ بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام، التي تزوجها أمير المومنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقُتل عنها، فخطبها سعيد بن العاص لكنه لم يتزوجها لعدم قبول الحسين بذلك، ثم تزوجها عونُ بن جعفر، ثم تزوجها بعده محمد بن جعفر.

 

ثم أتبعها بترجمة سيدة أخرى هي: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، تزوجها زيد بن حارثة، ثم تزوجها بعده سيدنا عبد الرحمن بن عوف، فولدت له أربعة أبناء، ثم خلفَ عليها الزبير بن العوام فولدت له ابنة، وطلَّقها بطلبها، ثم تزوجها عمرو ابن العاص فأخرجها معه إلى مصر.

 

 وختمه بذكر دجاجة ابنة أسماء بن الصلت، وكانت عند عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس، فولدت له عبد الله بن عامر، ثم تزوجها عمير الليثي، فولدت له عبيد بن عمير الفقيه المُحدث، ثم تزوجها الأسود، فولدت له عبد الله بن الأسود، فكان يقال لها: أم العبادلة.

 

هكذا حافظ المجتمع المسلم في بدايته على صفائه وتماسكه، وكان الجميع يجد فيه راحته، ويحقق فيه متطلباته المشروعة، من غير حرج، أو عتاب، أو اتهام سوء.

الأحد، 8 يناير 2023

استشهاد بعض العلماء بالحديث الموضوع !

 


قد يَهِم ويُخْطئ مَنْ يَعتمدُ ـ مِنَ السَّابقين والمُعاصرين ـ في تأليفه لكُتبه على ذاكِرته، لذلك تَجد عند مطالعتك لمؤلفات العديد من العلماء ممن اعتمد على حافظته على أوْهام عِدة،
ونفس الأمر تجده في كلمات ودُروس ومَواعظ المشايخ والدُّعاة التي ارتجلوها في مناسبات مختلفة،
فتراهم يَنسبون أقوالا للنبي صلى الله عليه وسلم وليسَتْ هي من كلامه عليه الصلاة والسلام !
أو يَنسبونها لمصادر ـ بعد البحث ـ لا تَجدها فيها ! وقد لا يَحضرهم مِنَ الأحاديث عند إلقائهم لتلك الكلمة، إلا ما اشتهر على الألسنة، وتكون إما واهية أو مَوضوعة !

لذلك كان مِنَ الدُّعاة مَنْ لا يُحِب الارْتجال، ولا يُلقي كلمة إلا بعد أنْ يكتبها في بيته بين كتبه ومراجعه، ثم يُلقيها على السامعين وهو يقرأها من الورقة.

واتهام عالِم كبير بأنه وَضَّاع لأنه استَشهد في كتابٍ بحَديثٍ نَسبه للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم ظهر أنه غير صحيح، ليس بالأمر السَّديد،
فإنَّ الخطأ لا يَسلم منه عالِم،
وتُهمة الوَضع ليست سهلة،
ومِنْ أين لنا أنه تَعمَّد ذلك ؟
فلا يُضيع الانسان آخرته بكلمة.

فقد تَخطر عليه ـ عند الكتابة ـ حِكمة لبعض الأولياء، فيَحبسها لسيد الأنبياء، فكلام بعض العارفين يُشبه كلام الأنبياء والمرسلين (*)، فيَنسبها إليه !
وليس كل مُحَدِّث له مثل قُوة حافظة الإمام البخاري والترمذي والدارقطني وابن عقدة.

ثم إنَّ الغَلط في هذا الباب لا يَسلم منه حُفَّاظ الحديث الكبار الذين أفنوا أعمارهم في هذا العِلم، وكانوا هُم المَرجع فيه، قال ابن المبارك: ( ومَن يَسلم مِن الوَهم ؟ ).
فتجد مِنهم مَن صَّنفوا كُتُبا قالوا أنهم جَمعوا فيها الأحاديث الصَّحيحة فقط، لكن عند التنقيب والتفتيش اكتُشِفتْ أحاديث موضوعة عديدة تسللت إليها  !
ككتاب المُسْتدرك على الصحيحين للإمام الحاكِم، فقد نبه الحافظ الذهبي في التلخيص على ما فيه من الضعيف والمَوضوع،
فهل يُقال عن مثل الإمام الحاكم أنه مِنَ الوَضَّاعين لأنه قيَّد تلك الأَحاديث في مُستدركه وهي مَوضوعة غير صَحيحة ؟
طبعا لا، بل هو مِنْ أئمة الحديث الكبار في هذه الأمة المُحمدية المباركة، وكتابه مُفيد لا يَسْتغني عنه مُحَدث.

وهذا الإمام الحافظ المُجدد جلال الدين السُّيوطي قال في خُطبة الجامع الصغير أنه صانه عما تفرد به وضَّاع أو كذاب، فإذا في كتابه أحاديث موضوعة عديدة، جمعها الحافظ سيدي أحمد بن الصديق في المُغير.
فهل يَجرؤ أحد على اتهام هذا الإمام الحافظ الكبير بأنه وَضَّاع ؟
طبعا لا، فهو شيخ الحديث في زمانه، وهو مِمَّن نتقرب إلى الله بمَحبته، وكتابه من مراجع الباحثين والمُحققين والمُحدثين إلى يومنا هذا.

ورأيتُ الإمام المحدث سيدي عبد الله بن الصديق الغماري في كتابٍ له استَشهَد بحديث في فضائل النبي عليه الصلاة والسلام، وكان ذكَر في أوله أنه لمْ يَسْتشهد في ذلك الكتاب إلا بأحاديث ثابتة صحيحة،
ثم رأيته في كتاب آخر اعتذر على استشهاده بنفس الحديث، أظنه ذَكرَ أنه موضوع، وقال أنه قلَّد فيه الإمام السيوطي، وتَشعر مِنْ كلماته أنه تأثر كثيرا لأنه أدخل ذلك الحديث في كتابه ذاك  !
مَقامك يا سيدي كبير عند تلامذتك ومُحبيك، ولن يُؤثِّر في مَحبتهم لك، وتَقديرهم لعِلمك، واعترافهم بمَكانتك وعَملك وجُهودك، وُجود أخطاء وهفوات فيما كتبتَ، فمَنْ ذا الذي صَنَّف ولم يَقع في مثلها ؟

علينا أن نَعْذر العلماء ونُحسنَ الظن بهم، ونَتلطف مَعهم، ونَترحَّم على مَن تُوفي مِنهم ونَذكُرهم بالخير، ونَقبل اعتذار مَن اعتذر منهم، ونُقَبل رُؤوسَهم وأيْديهم، ونَحترمهم، ونتأدب معهم، ولا نَرميهم بتُهمة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم إذا ما استشهدوا في بعض مُصنفاتهم بحديث موضوع،
فما كانوا ليَتعمدوا الكذب عليه صلى الله عليه وآله وسلم،
إنما وقع لهم سَهو، أو أخطأوا في الاجتهاد والحُكم، أو كانت كُتبهم بَعيدة عنهم، فاعتمدوا على ذاكرِة ظنوها لا تزال قَوية، فخانتهم.
--------------------------
(*)
كان الإمام سيدي محمد الباقر إذا ذُكر عنده الإمام الحَسن البَصري يقول: ( ذاك الذي يُشبه كلامه كلام الأنبياء ).
وقال حُجة الإسلام الإمام الغزالي: ( كان الحَسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء ).


الخميس، 5 يناير 2023

كتاب فتح الفتاح على مختصر الشيخ خليل !


 

صفحات العلماء والمشايخ، مغاربة ومشارقة، بَشَّرت البارحة بصُدور كتاب "فتح الفتاح على مختصر الشيخ خليل"، للعلامة الفقيه القاضي سيدي الحسن بن رحال بن أحمد بن علي المعداني التدلاوي، المتوفى سنة 1140هـ،

وهو حَدث علمي كبير، يَستحق أن يُعلن عنه ويُحتفل به، فالكتاب ضخم جدا، ولم يُطبع مِنْ قبل، وهو في شرح كِتاب يُعَد من من الكتب المعتمدة في الفقه المالكي،

ومن العجيب أنه بقي محفوظا كل هذه المدة، لم تأكله الأرضة، ولم يُصبه التلف، ولم يتعرض للحرق أو الضياع..

لكنْ إذا علمتَ أن المُؤلف استَأذنَ في كتابته شيخه العارف بالله سيدي أحمد بن عبد الله معن الأندلسي الفاسي، وأن هذا العارف الكبير كتب له البسملة في أوله وأذِن له، زال العجب.

ولاشك أنَّ تأليف مثل هذا الكتاب الكبير يَحتاج لعلم غزير، وصبر طويل، وعزيمة قوية، ولمراجع كثيرة، وهي في زمانهم كانت بخط اليد،

وليست خطوط العلماء كلها سهلة القراءة مفهومة،

وليست المؤلفات التي كانوا يُطالعونها كَكُتب زماننا المطبوعة أحسن طباعة، الواضحة الخطوط، المُفهرسة بحيث تصل للفائدة في أقل من دقيقة..

تُرى لو تَوفر لأولئك السادة الكمبيوتر والمكتبة الشاملة، ماذا كانوا سَيُصَنفون لنا ؟!

أما مُؤلِّفُ الكتاب، فهو أحد رجالات المغرب العظام وعلمائه الكبار الفخام، نعته العلامة المؤرخ سيدي عبد الرحمن بن زيدان بـ: (نادرة الزمان، وأعجوبة الأوان)، ونعته الإمام سيدي محمد بن الطيب القادري بـ: (الفقيه الكبير، حافظ زمانه، صاعقة المطالعة والتدريس)، والثناء عليه كثير.

أخذ العلم عن أكابر وقته، كشيخ الجماعة بفاس، الإمام القدوة سيدي عبد القادر الفاسي، والإمام المجدد سيدي علي اليوسي، والإمام سيدي محمد المسناوي، وغيرهم.

وأخذ العلمَ عنه سادة كبار، منهم الإمام سيدي احمد بن مبارك السجلماسي، والعلامة سيدي الكبير بن محمد السرغيني، والعلامة المفتي سيدي محمد بن عبد الصادق الدكالي وغيرهم،

وترك عدة مؤلفات، منها: "الارتفاق في مسائل الاستحقاق"، و"كشف القناع عن تضمين الصناع"، طبعا أكثر من مرة، وحاشية على شرح ميارة على التحفة، وغير ذلك.

كان ـ كما ذَكَر صاحب التقاط الدرر ـ كثير الانصاف، متواضعا، سليم الصدر، كريم الأخلاق، حلو المداعبة، مفضالا.

ابتَدأ قراءة كتاب "الشفا" للقاضي عياض وهو مَريض، فكان الطلبة يدخلون عليه للقراءة عليه، فتوفي رحمه الله وهو يَقرأ هذا الكتاب المبارك، ودفن بضريح بضريح أبي عثمان سعيد المشنزائي خارج باب وجه العروس بمكناس.

الجمعة، 16 ديسمبر 2022

العلامة أحمد بن المامون البلغيثي واجتماعه بالعلامة السيد أحمد البرزنجي!


 

وأنا أطالع اليوم في كتاب "مباحث في عقائد أهل السنة المسمى: المهند على المفند" للإمام المحدث خليل أحمد السهارنفوري (ت 1346هـ) ، جاء في (ص 125) بعد أن ذَكر ما كتبه العلامة السيد أحمد البرزنجي على هذا الكتاب، قال: (تصديقات العلماء على الرسالة المذكورة للبرزنجي)، فذكر اسم 21 عالما،

قال: [ 4- أحمد بن المأمون البلغيش (خادم العلم بالمسجد النبوي) ]. والصواب أنه: "أحمد بن المامون البلغيثي" وليس البلغيش، وهو العلامة القاضي الفقيه الأديب الفاسي المشهور، المتوفى بفاس سنة 1348هـ،
وقد كان رحمه الله حج في سنة 1328هـ، ذكر ذلك ولده عبد الملك في الترجمة التي وضعها له آخر الجزء الأول من كتاب "تشنيف السماع"، وقال أن والده كان ينوي أن يبقى هناك سنة كاملة حتى يحج العام القادم أيضا، لكن حددث ما دعاه للرجوع لبلاده
ورسالة العلامة البرزنجي كتبها أو أتمها يوم 2 ربيع الأول 1329هـ، فيكون العلامة أحمد بن المامون البلغيثي بقي هناك بعد الحج، وألقى دروسا في المسجد النبوي، ثم أطلعه العلامة البرزنجي على الرسالة التي كتبَها، فوافقه عليها..
وقد يكون قرأ عليه، أو أجيز منه، لكنني لم أر من ذكر أن من شيوخه العلامة البرزنجي.
وممن اجتمع بالعلامة أحمد بن المامون البلغيثي تلك السنة، وهو في سفره لأجل الحَج: العلامة شيخ بن محمد الحبشي باعلوي (ت 1348هـ)، ذَكر ذلك في كتابه المعنون: "الشاهد المقبول بالرحلة الى مصر والشام وإسطنبول" (ص 312) قال: (فلمحت عيني رجلا من المغاربة، فتوسّمت فيه العلم والولاية).
وقال أيضا في تصديقات العلماء على رسالة البرزنجي: [ 7- عبد الله القادر بن محمد بن سوده (خادم العلم بالحرم النبوي الشريف) ].
والمذكور هنا بدون شك هو: العلامة الفقيه القاضي عبد القادر بن محمد بن عبد القادر ابن الطالب ابن سودة الفاسي، المتوفى سنة 1389هـ،
فقد ذكر ولده العلامة المؤرخ عبد السلام ابن سودة في ترجمته في سل النصال (ص 205)، أنه حج سنة 1328هـ،
فيكون اجتمع هو أيضا بالعلامة البرزنجي، واطلع على ما كتبه في رسالته تلك، فوافقه على مضمونها..
وفي الغالب ألقى دروسا عدة بالمسجد النبوي حتى استحق أن ينعت بخادم العلم بالحرم النبوي الشريف.