السبت، 19 يوليو 2014

كتاب: "الشاهد والمقبول بالرحلة إلى مصر والشام وإسطنبول"



كانت ساعات ممتعة تلكَ التي أمضيتها في قراءة رحلة الشيخ العلامة سيدي شَيخ بن محمد بن حسين الحبشي، والمسماة:"الشاهد والمقبول بالرحلة إلى مصر والشام وإسطنبول"، ومما يشجعك على قراءة الكتاب ومطالعته جمال الطبعة وأناقتها، فالخط واضح بيّن، وبين ثنايا الصفحات تجد صورا منثورة عن تلك المعالم وأولئك الأعلام، وكم سعدت حين رأيت صورة الشيخ سيدي محمد السمان رحمه الله، فإن الرجل معروف مِن أهل العرفان..
ومن اللطيف أن المؤلف حين أتى على ذِكر العنب، رأينا في جنب الصفحة (201) صورة لعناقيد عنب متدلية، فأعجبتني تلك الإضافة التي سرقت مني ابتسامة، ولعل السبب في وضعها هناك وارد صوفي غلب.
أول ما تستفيده من الكتاب التعرف على مؤلفه السيد العلامة شيخ بن محمد بن حسين الحبشي، والحق أن اليمن خرّجتْ ـ ولا تزال ـ علماء أفذاذ، وصلحاء كبار، ودعاة عظام، يجمل التعرف عليهم وعدم الجهل بهم، والمؤلف منهم، وتدري قيمته حين ترى ما يلاقيه به علماء المدن التي زارها والبلدان التي دخلها من حفاوة بالغة واهتمام زائد.

يعجبك أسلوب المؤلف الواضح السهل، كما يعجبك ما سجله في رحلته من فوائد منثورة عن أولئك الشيوخ، وعن تلك المؤلفات التي رآها في المكتبات، وطبيعة تلك المناطق ومُميزات أهلها..

فلتجار دمشق عمائمهم التي تميزهم عن غيرهم، وكانت أثمان المطبوخات بها في غاية الرخص، ويُدْبحُ فيها كل يوم من الغنم 3000 من غير البقر والجمال، بينما في اسطنبول التي كان عدد سكانها آنذاك مليون نفس، فإنه يُذبح فيها من الغنم كل يوم 8000 ومن البقر 3000 ! 

وتجد في الكتاب إجازات واستدعاءات، منها إجازة الشيخ المسند العلامة المكي بن عزوز، ومنها إجازة الشيخ العارف سيدي علي بن محمد الحبشي لشقيقه مؤلف الرحلة، ولا يسعك حين تقرأ إجازة هذا العارف سوى التلذذ بجميل خطابه الذي لا ينبعث إلا من قلب فاضت أنواره فامتلأ بالمعارف والعلوم.

ومن جميل ما تقرأ في الكتاب أن المؤلف ـ رحمه الله ـ التقى في رحلته بعالم مغربي قدير، ذلكم هو الشيخ العلامة الأديب القاضي سيدي أحمد البلغيثي ـ رحمه الله ـ، وهو ممن لا يجهله مطلع على تراجم مشايخ القرن الماضي، فقد تخرج على يده علماء كبار، وأخذ عنه مشايخ فخام، وكانت سيرته طيبة عطرة على كل لسان. قال المؤلف (ص:312)« ثم إنّي في أثناء الطريق، قمتُ أمشي في البابور المذكور إلى بعض البناقِل، فلمحتُ عيني رجلا من المغاربة، فتوسّمتُ فيه العلم والولاية، فسألت بعض خدمه: من هذا الشيخ؟ فقال: هذا الشيخ أحمد البغتينيّ المغربي »، ولو علم الشيخ البلغيثي ما قاله مؤلف الرحلة عنه هنا لأعجبه ذلك، ولازداد اغتباطا وسرورا. 
وقد علّق مُحقق الرحلة الشيخ الدكتور سيدي محمد أبو بكر باذيب في الهامش إلى أن الشيخ المذكور هو « الشيخ أحمد بن المامون البلغيثي، وإنما كتب المؤلف اسمه حسبما سمعه مِن مرافقه باللهجة المغاربية ». 
ومما يؤكد ما ذهب إليه المحقق، ما ذكره الشيخ عبد الحفيظ الفاسي في "معجم الشيوخ"(ص:104) في ترجمة العلامة أحمد البلغيثي أنه « حج أولا سنة 1317هـ، وثانيا سنة 1328هـ» وهي نفس السنة التي قام بها العلامة شيخ بن محمد الحبشي برحلته هاته.

وقد ذكر العلامة شيخ بن محمد الحبشي أنه باحث هذا العلامة فوجده « عالما عاملا » وأنه قال له:« إني أدخل في أسباب التجارة وأحب ذلك صوْنا لشرف العلم ». وحين تقرأ ترجمة الشيخ البلغيثي في مؤلفات المغاربة تجد أن من مؤلفاته ـ رحمه الله ـ كتاب:"سياق الخسارة في بضاعة من يحط من مقام التجارة"، وهذا مما يؤكد أن المقصود هو العلامة أحمد البلغيثي المغربي لا أحد غيره.
وقد أضاف المحقق إلى الرحلة "مكاتبات المؤلف مع إخوانه وأقرانه"، و"ديوان صاحب الرحلة"، فزاد من متعتنا ومن الفوائد الكثيرة التي غنمناها، زاده الله من فضله.

الجمعة، 18 يوليو 2014

حول واوية العلامة المختار السوسي في شيخه العلامة المسند الكبير الشيخ عبد الحي الكتاني رحمهما الله


                         
                            الشيخ العلامة محمد المختار السوسي         الشيخ الحافظ عبد الحي الكتاني

خبـرٌ سـارٌ

الحمدلله، لقد تَمَّ العثور على "القصيدة الواوِيّة" التي أنشأها العلامة الوزير سيدي محمد المختار السوسي ، في الشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني


لما نظرتُ في كتابي : " مشيخة الالغيين "  و الجزء الثاني من "الإلغيات " ، ورأيتُ أن للعلامة سيدي محمد المختار السوسي قصيدة واويّة في الشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني ، وحيث أنني لم  أر  من ذكرها أو أشار إليها سوى المختار السوسي ناظمها ، فقد وضعت سؤالا عنها في بعض الصفحات الالكترونية ، ولما لم أتلقى أي جواب ، توجهتُ بالسؤال إلى ابن العلامة محمد المختار السوسي السيد الكاتب المحقق سيدي رضى الله عبد الوافي ، فأجابني مراسلة بما يلي :

الأخ الكريم البحاثة النفاعة سيدي يوسف أبجيك السوسي .
تحية إجلال وتقدير .

أما بعد ، لي الشرف أن أشفي غليلك وأضعك أمام ما كنتَ تصبو إليه ، وأقول :
إنَّ القصيدة التي ذكرها والدنا العلامة سيدي محمد المختار السوسي ، عثرتُ عليها مؤخرا في مخطوط له لم يُنشر من قبل ، اسمه : " الزهر البليل ، فيما نفث به الفكر الكـليل" ، قال عنه والدنا رحمه الله في مخطوط كتابه "المؤلفون السوسيون " ، حيث ذكر عند التعريف به : « كنتُ جمعته سنة 1341 هـ بإذن من سيدي سعيد التناني ، وقد حثني على أن لا أفرط فيما قرضته ، وهو صغير في كراسة » .اهـ

وهو في  ستين صفحة ، مقاس 12 /19 ، و يضم غالب قصائده  وأبياته الشعرية العديدة التي أنشأها في فترة تلقيه العلم بمراكش ، وقد نشر منه تقريبا نصفه أو يزيد ضمن مؤلفاته ، وبآخره القصيدة التي خاطب بها الشيخ عبد الحي الكتاني في 4 المحرم 1343هـ  ، ومما جاء في مقدمته للقصيدة : الذي قصدت النزول عليه يوم وفدت على فاس للأخذ عن علمائها في القرويين ، وقد كنت قلت هذه القصيدة بمراكش بأمر القاضي سيدي محمد بن الحسن ... اهـ ... والقاضي هو شيخه سيدي محمد بن الحسْن المراكشي الدباغ ، الذي ترجمه في كتابه "مشيخة الإلغيين من الحضريين" بين صفحات : 145-155  والمتوفى في 23 سبتمبر 1929م .

وهذه القصيدة الواوية لم يُذكر مطْلعها من قبل ، حيث انه في ترجمة القاضي المذكور ترك فراغا عند ذكرها، كما هو مبين في الصفحة : 153 من ترجمة القاضي في "المشيخة"، وكما هو الشأن أيضا عند ذكر القصيدة بدون مطلع ولا معلومات عنها فيما كتبه والدنا في صفحة : 225 من الجزء الثاني من كتابه "الإلغيات" ، عند ذكر سيرته المسماة :"على قمة الأربعين" ....

وهي في 59 بيتا ، أوّلها :

أتبغون مني أن أعوج إلى السلوى  =  وقد حَلأَت عن ذلك الحرَم القَصْوَا

إلى أن قال في البيت 43 :

يقولون تثوي فاسَ ذا غربة وهل  =  غربت وعبد الحي فيها أبو المثوى

واختتمها بقوله :

فاغمر أقطار البلاد بمدحه  =  واشدو بأشعار الثناء له شدْوا

وقد ذكرنا بعض ما كتبناه هنا في هامش كتاب "المؤلفون السوسيون" عند التعريف بالديوان المذكور المدونة فيه هذه القصيدة ، والذي نحن بصدد تهييئه للطبع ، وليعجل الله بنشر هذا الكتاب ونشر الديوان من بعده ، وبالله التوفيق .
رضى الله عبد الوافي المختار السوسي

الرباط في : 20 رمضان 1435هـ / 18 يوليوز 2014م

الخميس، 19 يونيو 2014

عن العلامة الفقيه سيدي محمد بن أبي بكر التطواني




بعد مذاكرة بيني وبين الأستاذ الكاتب سيدي رضى الله عبد الوافي ابن العلامة الأديب سيدي محمد المختار السوسي حول العلامة الفقيه سيدي محمد بن أبي بكر التطواني السلاوي، أعارني ـ مشكورا ـ البحث الذي كتبته السيدة أسماء التطواني لنيل دبلوم الإجازة، والذي عنونته: "الفقيه التطواني ودوره في البحث العلمي"، وبما أنها ابنة المتحدَّث عنه، فإن بحثها لاشك سيكون فيه معلومات مهمة مما استقته عن والدها مباشرة ورَوَته عنه من غير واسطة.
وقد ذكرت أنها حين كانت تفكر في موضوع البحث، اقترح عليها والدها بعد أنِ استشارته، الكتابة عن الإمام المقري صاحب كتاب: "نفح الطيب"، أو الكتابة عن المؤرخ المراكشي العلامة القاضي العباس بن ابراهيم التعارجي صاحب "الإعلام" ، غير أن أستاذها السيد الغازي علال اقترح عليها أنْ تكتب في سيرة والدها العلامة، وبعد تردّد منها وإعراض مِن والدها الذي كان شديد العزوف عن التحدث عن نفسه، ومع إصرار الأستاذ المشرفِ عليها، تَيَسّرََ لها الأمر، وانفتحتْ لها سُبل هذا البحث الطيّب في التعريف بوالدها.


خصّصََتِ (الفصل الأول) منه للحديث عن أصل العائلة التي نزلتِ الشاوية نازحة من الشرق في جملة القبائل العربية، وبينتْ أن نسبة التطواني راجعة لبعض أسلافهم الذي أمضى في تطوان بعض مدة، فلما عاد لسلا صار يدعى بالتطواني، فاستمر إطلاق هذه النسبة على العائلة إلى اليوم، وبعد الحديث عن مسقط رأس المترجَم له وبيئة النشأة المحيطة التي أثّرت في تكوين شخصيته، اتجهتْ للكلام عن ثقافته، وطبعا كان مُبتدأ الرحلة الكُتّاب الذي دخله وهو لم يُكمل أربع سنوات من عمره، فذاق في تلك المرحلة قسوة المُعلمين الذين كانوا يَرون الضرب أحسن وسيلة لتثبيت الحفظ وتنشيط الذاكرة.  

وفي سنة 1337هـ التحق بجامع القرويين بمدينة فاس، غير أن والده توفي في نفس السنة، فعاد إلى سلا ليشتغل مدة سنة بإحدى الوظائف، ثم رجع ـ من جديد ـ إلى فاس لمتابعة دراسته، فحضر دروس المشايخ والعلماء التي تُعقد بالقرويين وبالزوايا والمساجد والأضرحة..
وكان من سعادته تعرّفه على الشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني « الذي فتح له قلبه، كما فتح له خزانته، وأدنى منزلته، وأصبح يعتبره واحدا من أبنائه »، وحيث أن الفقيه التطواني كان صاحب أسلوب أدبي بديع في كتابة الرسائل؛ فقد كان « الشيخ عبد الحي يستعين به ويتخذه كاتبا لرسائله وناسخا لتآليفه »، وقد استفاد من قربه من الشيخ عبد الحي، وحضوره لمجالسه، ودخوله لخزانته، فتعرّف على مشايخ أجلة كانوا يفِدون لزيارة هذا العالم الكبير وزيارة خزانته التي كانت مضرب المثل في كثرة محتوياتها وتنوعها..
أما شيوخ العلامة الفقيه سيدي محمد بن أبي بكر التطواني الذين استفاد منهم، فـ « يتجاوز عددهم الخمسين، أما الذين أجازوه فنحو الثلاثين ».
فمن العلماء المغاربة الذين أجازوه: الشيخ عبد الحي الكتاني، والشيخ فتح الله البناني. 
ومن العلماء المشارقة: الشيخ زاهد الكوثري، والشيخ عبد الباقي الهندي، والشيخ بخيث المصري، والشيخ عمر حمدان، وغيرهم.

وقد ترك عدة مؤلفات، منها: "ابن الخطيب من خلال كتبه". و: "جلال العرش المحمدي في ظل راية القرآن" وهو كتيب صغير، لا يتعدى 25 صفحة، نُشر بالمطبعة المحمدية. و: "ذيل على فهرس الفهارس" الذي قالت عنه ابنته: « كتاب لا زال مخطوطا ، عثرت على بعض النسخ منه، وهذه النسخ عبارة عن تراجم حياة مائة وستين من العلماء والأدباء لم يتعرض لهم صاحب "فهرس الفهارس"، رجع الفقيه في ترجمة حياتهم إلى عدد من الكتب والمخطوطات النادرة، وبحسب المصادر أو المراجع التي يقتبس منها تطول أو تقصر الترجمات..». و: "تراجم أعلام ما قبل القرن السابع الهجري"، لا يزال مخطوطا. و: "القاضي عياض"، لا يزال مخطوطا. و: "ولاية العهد في العرش المغربي"، وهو محاضرة صغيرة مخطوطة. و: "رسالة عن المكي البطاوري"، وهي « رسالة صغيرة لا تتجاوز بعض الكراريس، لا زالت مخطوطة، كتبها أيام مقامه بفاس، ونالت اعجاب عبد الحي الكتاني فقرأها في مجلسه على بعض أصدقائه، فقوبلت بالتشجيع من طرف عبد الرحمن بن زيدان، كما أعجب ها المعني بالأمر ـ المكي البطاوريـ فيما بعد فظل محتفظا بها ».

كما كانت للفقيه التطواني عدة رحلات للمشرق، كوّن فيها عدة صداقات مع رجال الفكر والسياسة والأدب ومع مستشرقين وغيرهم.
وخَصّصت (الفصل الثالث) من بحثها لإلقاء "أضواء على بعض إنتاجه". 
ثم خاتمة.

الاثنين، 17 مارس 2014

كتاب "المبشرون بالجنة" للشيخ العلامة سيدي عبد الله التليدي


من مؤلفات الشيخ المحدث سيدي عبد الله التليدي كتاب"المبشرون بالجنة"، ذكر فيه ما تحصّل عنده أنهم من المبشرين بالجنة، اعتمد في كتابتها على دواوين الحديث وكتب التفسير والسيرة والتراجم وغير ذلك.

والشيخ مسبوق في البحث في هذا الموضوع، ومِمّن ألف فيه قبله: 
- الفقيه الأديب الصوفي أحمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني (ت 1146)، له كتاب: عوارف المنة فيمن شُهد له بالجنة.
- والعلامة المسند الرحالة سيدي أبو سالم العياشي، له:" إظهار المنة على المبشرين بالجنة". 
- والشيخ الرباني سيدي عبد الكبير الكتاني، له: "جزء في المبشرين بالجنة من الصحابة" « أوصلهم إلى نحو المائتين »، ذكر ذلك الشيخ الحافظ سيدي عبد الحي الكتاني في "فهرس الفهارس".

وقد جعل الشيخ سيدي عبد الله التليدي "المبشرون بالجنة" طبقات:
* الأولى: طبقة الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، قال: « وهؤلاء مقطوع لهم بالجنة ».
* الثانية: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « وهم أنواع: 1- أمهات المؤمنين نساء الرسول، ثم بناته وأولاده. 2- المبشرون في حياتهم. 3- المبشرون بعد وفاتهم، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم. 4- أصحاب بيعة العقبة، ثم البدريون، ثم أصحاب بيعة الرضوان. 5- عموم الصحابة والمهاجرين والأنصار وغيرهم..».
* « الثالثة: عامة الشهداء، وهم نوعان: شهداء الدنيا والآخرة (المعركة)، وشهداء الآخرة فقط.
* الرابعة: عموم المومنين.
* الخامسة: الأطفال الذين ماتوا دون الحلم، سواء أطفال المومنين أو غيرهم ».
وقد يأتي الشيخ في كتابه هذا بترجمة مُختصرة لبعض المبشرين، ويذكر النصّ الذي استند عليه، مع بيان درجة الأحاديث حسب ما حَكم به عليها حفاظ الحديث.

واحتلت البشارات المنامية حيزا مهما من الكتاب، جعلها خاتمته،
فذكر أزيد من 93 رؤيا، منها التي رآها بعض الصحابة، ومنها التي رآها أئمة الحديث أو رجال الترْبية والزهد والعرفان، وكان آخرها تلك المُبَشّرَة التي كتب بها إليه من القاهرة شيخه العلامة الحافظ سيدي أحمد بن الصديق الغماري يذكر له فيها ـ رحمه الله ـ أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه سأله أن يدعو الله له بالمغفرة، فقال له عليه الصلاة والسلام: "أنت مغفور لك، قلْ: اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق".

ومِن المبشرات التي ذكرها: رؤيا تخص الحافظ ابن تيمية رآها فيه تلميذه الحافظ ابن قيم الجوزية تدل على أنه من الفائزين. 

طُبع الكتاب بطنجة سنة 1989م، في 103 صفحة، ثم أعادت طبعه دار ابن حزم.

نسأل الله تعالى أن يَمُن علينا بدخول الجنة بلا سابق حساب أو عقاب، والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 3 مارس 2014

الشيخ الإمام محمد زاهد الكوثري وقول الحق




« العالِم الدّيني يَجب أن يكون المثل الأعلى في التمسك بأهداب الدين في العقيدة والعمل والخُلق، مُواطئا مظهره لمخبره في جميع النواحي، صلبا أمام مَن تُحدثه نفسه الاعتداء على الحق»(1). هكذا وصَف الشيخ الإمام محمد زاهد الكوثري العالم الديني، وتلك الأوصاف كانت ـ حقيقة ـ تتجلى فيه، وكأنه كان يُحدثنا عن نفسه. 

فقد كان ـ رحمه الله ـ لا يهاب لأجل نصرة الحق أحدا، أليس هو الذي يقول:« الجهر بالحق في كل رَبْع سُنّة السلف الصالح »(2)، لذلك كنتَ تراه يتدخل لتصحيح كل ما يراه مُعوجّا من الأمور ولا يقول:"وأنا مالي؟" هذه الكلمة التي يَرى بأنها « على وَجازتها هِي علة العلل في طروءِ الخلل على شؤون الأمة في كل زمن »(3). 


وتُعجبني كلمة الأستاذ الأديب المؤرخ أحمد خيري حين رَوى وقوف الشيخ الكوثري ضدّ من سَعى لهدم المدرسة التي أنشأها السلطان مصطفى الثالث (ت 1187هـ) ورفع لأجل منع ذلك دعوى في المحكمة.. قال رحمه الله:« والآن أقف بُرهة أسائل فيها نفسي: كم من علماء الإسلام يستطيع ـ في سبيل ما يعتقده حقا ـ أن يقفَ في وجه من بيده أدنى سلطان فضلا عن الوقوف في وجه (جلالة) السلطان ؟ أظن أنّ العدد يكون قليلا جداً، والكوثري من هذا القليل النادر »(4).

لقد كان الإمام الكوثري إضافة إلى علمه وزهده وورعه.. شجاعاً قويّا في الحق، وقد اكتسب بسبب مَواقفه تلك عداوة الكثيرين مِنَ الإتّحاديين والكماليين الذين يُعادُون الدّين وينشرون الإلحاد بين المسلمين، ممّا اضطره إلى مغادرة بلاده فاراً بدينه مهاجرا إلى الله ورسوله حين « أخبره بعض المخلصين أن هناك مؤامرة لاعتقاله »(5)، فاحتضنته ببلاد مصر فاستجاز فيها وأجاز، وأفاد فيها واستفاد، وكان بها روضه الذي صار ـ بعد ذلك ـ مزارة لأهل العلم والفضل.

ويتسائل المرء: مِن أين اكتسب الشيخ الكوثري تلك الشجاعة ؟
أبسببِ انتسابه لمذهب الإمام الشهْم الهُمام سيدنا أبي حنيفة النعمان الذي توفي في سجنه لأنه رفض أن يتولى القضاء ؟ والذي أعان شيخه الإمام الشهيد زيد بن علي زين العابدين حين قومته ضد هشام بن عبد الملك بمالِه ؟ والذي كان ينصر الإمام محمد النفس الزكية ويَحث الناس على الخروج معه ضد المنصور؟(6) 


أم أن شجاعته تشرَّبَها مِنْ شيوخه أمثال العلامة ضياء الدين بن الحسين التِّكْوَشي الذي « كان لا يخاف لومة لائم في بيان الحق »(7)، وعن مشايخ له أخذوا عن مثل: الشيخ المحدث أحمد ضياء الدين الكمشخانوي (ت 1311هـ) الذي « حارب الروس في جبهة الشرق متطوعا، وتحت قيادته جماعة من العلماء والطلاب »(8)، وعن مثل الشيخ الحافظ أحمد شاكر الكبير (ت 1315هـ) الذي « كان رحمه الله شهما أبيّ النفس، لا يعرف الملق والتزلف إلى أرباب الحكم، وقد شارك في حرب السرب سنة 1291هـ يقود جيشا جرّرا من متطوعي العلماء »(9) حتى فتحوا مدينة "علكسانيج"، وألقى « يوم الفتح خطبة الجمعة باسم الخليفة حيث صلى الجمعة في أكبر كنيسة هناك »(10) ؟


أمْ أنه تأثر بحكايات العلماء الذين يجهرون بالحق ويدعون إليه ممن ذكر بعضهم في "مقالاته" أمثال التابعي الجليل أبي حازم سلمة بن دينار(11) والشيخ محمد إسماعيل عبد رب النبي الذي ـ وصفه ـ بأنه « ظهرتْ مقدرته في الإرشاد والتذكير وبيان الحق ودفع الشكوك وقمع أهل الباطل، وقد آتاه الله سبحانه من الشجاعة الأدبية وقوة البيان ما جعله في أول صف المجاهدين في هذا القطر العزيز، يصارح بالحق في كل مكان، ويناصر الحق حيثما كان، يدور مع الحق حيثما دار، ويقطع بقلمه المرهف البتار رأس كل مبطل ثرثار، ولا يخاف في الله لومة لائم، ولا يعرف الملق والاستكانة والمداجاة، ممسك بعنان براعته يستعمل اللطف في محله والعنف في مستهله، والنصر حليفه في ردوده مناظراته لأنه نصير الحق ولسان صدق»(12)؟


لعل كل ذلك وغيره ساهم في تكوين وإثراء شخصية الإمام الكوثري، وقد يكون الله تعالى وهبه من الصفات الكريمة وحباه من الخصال الحميدة ما يندر اجتماعه في واحد، لذلك ترى العديد من أهل المشرق والمغرب حرص على الأخذ عنه والتشرف بمجالسته، بل إن خصاله تِلك كانت سببا جاذبا للعديدين حتى صاروا من تلامذته الملازمين له (13).
لقد كان الكوثري محبا للحق ومَن يدعو له، مُحبا للعلماء الذين يُجاهدون في سبيل الله، يَذكر مناقبهم ويُعلي من أقدارهم وينشر فضائلهم.

كما كان أيضا ـ رحمه الله تعالى ـ يُبغض مَن هُم على العكس مِن ذلك، لأنه يرى أن « علماء كل شعب عنوان لأحوالهم الروحية، ورمز لكرامتهم ومهانتهم »(14)، لذلك تراه لا يتلطف مع الذين آخوا الصمت والسكون ودخلوا سراديب الجُبن والسلبية حين تكون الأمة تمرّ في ظروف عصيبة. 


فالعالم الذي « لا همّ له سوى ملء الكرش ولمّ القرش قام الدين أم قعد »(15) ليس معدودا عنده مِن علماء الصدق ومِن أمناء الله في أرضه. واسمعه يتحدث حين رأى سموم الإلحاد تتدفق منذ سنين متطاولة على الأمة ينتقد يقول:« والحراس مِن ساداتنا العلماء نيام أو مستسلمون للتيار الجارف، فالكبار سكوت قانعون بالقوت، والصغار في سبيل الحصول على أساليب ترقيهم رقي الأشياخ متواكلين في أمر الذب عن الفضيلة والعقيدة المتوارثة والفقه المتوارث والخلق الإسلامي الرصين، فاقدين حماس الشباب، غير مفكرين في رضا رب الأرباب.. »(16).


وإنَّ الذي دعا الشيخ الكوثري إلى مثل هذه الكلمات النقدية اللاذعة في حق مثل هؤلاء "العلماء" المُتخاذلين، هو ما رآه ـ حينذاك ـ مِن حال الأمة المُزري الذِي وصلتْ إليه والذي أحز كثيرا في نفسه (17). ولمّا كان يُعظّم دور العلماء في النهوض بالأمة وتغيير ما بها، فإنه لم يَقبل عذر من تخلى عَن ثغْره منهم ونحى نحو السلامة وقنع بما ناله مِن نوال قليل.. 


فمن لم تكن له غيرة على الأمة المحمدية، ولم يَكن مِن المُشفقين على أبناءها، فلا يستحق عنده أن يُطلق عليه لقب "عالم".
رحم الله ذاك الرجل التقي الورِع الشجاع القوي الأبيّ الإمام محمد زاهد الكوثري.
-----------
(1 ) "مقالات الكوثري" الصفحة:389
(2) "مقالات الكوثري" الصفحة:391
(3) "مقالات الكوثري" الصفحة:407
(4 ) "مقالات الكوثري" الصفحة:438
(5 ) "مقالات الكوثري" الصفحة:438
(6) كان الإمام أبو حنيفة يقول عن المنصور:« إنه لص متغلب كما في تفسير الزمخشري ». "مقالات الكوثري" الصفحة:390
(7) "التحرير الوجيز" الصفحة:74
(8 ) "مقالات الكوثري" الصفحة:383
(9) "التحرير الوجيز" الصفحة:53
(10 ) "مقالات الكوثري" الصفحة:383
(11) "مقالات الكوثري" الصفحة:400
(12) "مقالات الكوثري" الصفحة:412
(13) أنظر على سبيل المثال ما قاله الأستاذ أحمد خيري عن سبب حرصه على الأخذ عن الشيخ الكوثري في ترجمته المفردة له. "مقالات الكوثري" الصفحة:443
(14) "مقالات الكوثري" الصفحة:389
(15) "مقالات الكوثري" الصفحة:391
(16) "مقالات الكوثري" الصفحة:411
(17) قال رحمه الله: « من استعرض أحوال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يجد كثيراً مما يحزّ في النفس ». "مقالات الكوثري" الصفحة:406

الاثنين، 23 ديسمبر 2013

كتاب "لب الفوائد فيما قيل في تأبين العلامة رضى الله محمد المختار السوسي من كلمات وقصائد"




( مقال من إعدادي عن كتاب "لبّ الفوائد" نشرته جريدة "العاصمة post" التي تصدر بمدينة الرباط يوم الاثنين 23 دجنبر 2013 م )

صدر يوم الجمعة 16 صفر 1435هـ/20 دجنبر 2013م، عن مطبعة المعارف الجديدة بالرباط العاصمة، كتاب جديد من تصنيف الكاتب المحقق السيد رضى الله عبد الوافي المختار السوسي، سماه "لب الفوائد فيما قيل في تأبين العلامة رضى الله محمد المختار السوسي من كلمات وقصائد"، وذلك بمناسبة مرور خمسة عقود على وفاة هذا العلامة الكبير والمؤرخ الجليل الذي خلفَ نبأ وفاته ـ في حينه ـ حزنا عميقاً لدى جميع المغاربة، لِما كان يتصِف به ـ رحمه الله ـ من جميل الصفات وكريم الأخلاق ومزايا لا تُعد.

وقد أقام علماء وأدباء المغرب بمسرح محمد الخامس بالرباط يوم 29 دجنبر 1963م حفلا تأبينيا بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته، ألقوا فيه كلماتٍ نثريةٍ وقصائدَ شعريةٍ، رَثوا فيها الفقيد، أعربوا فيها عن مشاعرهم، وأبانوا فيها عن المكانة التي كان يحتلها العلامة المختار السوسي في قلوبهم، فذكَروا العديد من مناقبه، وأبرزوا الكثير من فضائله، ما يُرْشدك ـ عند مطالعتها ـ إلى أننا أمام إحدى الشخصيات المُتميّزة التي عرفها بلاد المغرب وشرُف بأن ترعرعت فوق أرضه وتنسمت هواءه.

كان من بين المؤبّنين الملك الراحل الحسن الثاني ـ رحمه الله ـ، وقد ألقى كلمته بالنيابة عنه الأستاذ المؤرخ سيدي عبد الوهاب بن منصور، وكان الذي رأس جلسة التأبين الشيخ العلامة سيدي إدريس الكتاني، ومِمّن شارك في فعاليات هذا الحفل فألقوا كلمات نثرية: العلامة سيدي عبد الله كنون، العلامة سيدي عبد الرحمن بن محمد الباقر الكتاني، العلامة سيدي محمد المنوني، العلامة سيدي إبراهيم الكتاني، العلامة سيدي عبد الله الجراري ـ رحمهم الله ـ وغيرهم من رجال الفكر والأدب .

أما أصحاب القصائد، فكان منهم: العلامة الحاج سيدي عثمان جوريو، العلامة الحاج سيدي أحمد بن شقرون، والكاتب الأديب سيدي عبد اللطيف خالص وغيرهم ـ رحمهم الله ـ.

وإن عناوين الكتاب لمتنوعة، ويضمّ في طياته العديد من الوثائق والصور التي تنشر لأول مرة، كما تجدُ فيه رسائل التهاني التي توصّل بها العلامة المختار السوسي بُعيد إصابته في حادثة السير التي توفي بعدها بأيام، إضافة إلى رسائل التعازي التي توصل بها أبناؤه وأفراد أسرته بعد وفاته، وفيه ترى بعض ما نُشر على صفحات الجرائد والمجلات من نعي للعلامة وكلماتٍ للتعزية وصورا لبعض حفلات التأبين التي أقيمت له ببعض المدن المغربية.

وقد أضاف السيد عبد الوافي زيادةً على ذلك إثراءً للكتاب رسائل مخطوطة أُرسلتْ للمختار السوسي من طرف العلماء والمشايخ، فتجد من بينها رسالة بعث بها إليه الشيخ العلامة المحدث سيدي المدني بن الحسني، وأخرى من الشيخ العلامة المحدث سيدي محمد المنتصر الكتاني، وثالثة من الشيخ العلامة المؤرخ النقيب سيدي عبد الرحمن ابن زيدان وغيرهم ـ رحمهم الله ـ .

كما تقرأ فيه بعض خطب ومقالات للعلامة المختار السوسي وقصائد له، كقصيدته في ملك الحجاز آل سعود، وترى بعدها جواب شاعر الملك الخاص أحمد الغزاوي عليه، وما أحلى خطبته التي ألقاها أمام الملك الراحل سيدي محمد الخامس ـ رحمه الله ـ ، والتي تتحدث فيها عن المسجد ودعا إلى أن يكون القرآن الكريم قانونا للحياة لإنه الدواء لما تعرفه الأمة من الداء..

فيجد القارئ نفسه كأنه في نزهة في تاريخ المغرب حين يُلاحظ تلك الصور المنثورة في ثنايا الكتاب، ويزداد الناظر فيه لطافة لما يطالعه في صفحاته من قصائد شعرية رقيقة، أما الفوائد العلمية فإنها تُثري قاموسه المعرفي وهي فيه كثيرة.

قرظ للكتاب الشيخ العلامة الدكتور سيدي حمزة بن علي الكتاني، والأستاذ الدكتور سيدي المهدي بن محمد السعيدي، وعدد صفحاته تقارب الستمائة صفحة. وقد كان لي شرف المساعدة في تهيئته، فازددتُ محبة في هذا العالم الجليل والوزير النبيل، فرحمة الله عليه رحمة واسعة، والحمد لله رب العالمين .